مقالات دعوية

لابد من الصبر

اسم الكاتب : حاتم سلامة
14/جمادى الثانية/1434 الموافق 24 أبريل, 2013


لابد من الصبر

لا يحقق الداعية نجاحاً إلا بالصبر، ولا تنتصر الدعوات إلا إذا تحمل رجالها ما يلقونه في طريقها من عقبات وجهالات وسخافات..

قد يُعرّضُ بالداعية، وتُلصق به التُهم، ويتهم بالسفه والجنون، أو أن يُساء إليه، ويطعن في عرضه وشرفه، وكل هذه البلايا إذا لم يقابلها صبرٌ عظيم، فلن يصمد الداعية أمام شهوة الإنتقام التي تسيطر على النفس التي توثبت تبحث عن ثأرها ، لتكون الدعوة في النهاية هي الخاسر المغلوب.

إن العلم والصبر..سلاح الدعوة ، وحينما يخاطب الله تعالى رسوله الكريم فإنه لا يأمره بالصبر فحسب!.. وإنما بالصبر الجميل، قال تعالى: "فاصبر صبراً جميلاً"

أي أن الداعية لابد له من الصبر الجميل وهو مرتبة أعلى من الصبر المجرد..وما كانت حياة الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم إلا سلسلة من الإبتلاء والمحن ، صبروا عليه صبراً جميلاً.

يقول ابن القيم في مدارج السالكين :

"الصبر الجميل هو الذي لا ضجر فيه ولا ملل، وذلك أن الإنسان قد يصبر، لكن الصبر الجميل درجة أعلى، وهي التي لا ضجر فيها ولا ملل ولا سخط"

وقد يكون المسلم صابراً، لكن الداعية لابد له من الصبر الجميل الذي يتناسب وعظم الدعوة إلى الله تعالى، التي يمتليء طريقها بالمشاق والمصاعب ، وليس من زاد يعين عليها أبلغ من الصبر الجميل.

لقد أوصى لقمان ولده فقال: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }لقمان17

لقد أوصاه بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي إشارة أنهما لا يتحققان إلا به، وأنه من لوازمهما.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " لابد أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، صبوراً على الأذى ، فإن لم يحلم ويصبر ، كان يفسد أكثر مما يصلح"

ألا إن طريق الدعوة طريق مليئة بالأشواك والإبتلاء، والتعب والعناء الذي لا راحة فيه، وفي يوم من الأيام ضاق الصحابة ذرعاً فتفجروا بالشكوى لسيدهم وزعيمهم صلى الله عليه وسلم، فماذا كان رده عليهم؟

روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، أو يمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه،  والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"

لقد أعلنها حسن البنا رضي الله عنه وكان" دائم التحسب لما يخبئه الزمن من بلاء ومحن فكان يهيئ الدعاة من أول الطريق لمواجهة كل الفروض كان يسر لهم في أحاديثه الخاصة والعامة ويقول : " إن الدنيا ستتألب عليكم وستحاربكم في أرزاقكم وإن السجون ستفتح أبوابها لإيوائكم واستضافتكم " وخطبهم يوماً فقال:{لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } وهذه سنة الله تبارك وتعالى في أصحاب الدعوات والمؤمنين بها والعاملين لها، أن يبتليهم في أنفسهم وأرزاقهم وأولادهم وبالإيذاء والكيد والافتراء والكذب والعداء من منافسيهم وخصومهم والذين لا يعرفون حقيقة دعوتهم"(1)

 إنها إذاً ضريبة الجنة..قال تعالى:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }البقرة214

"أم حسبتـم أنكم أيها الـمؤمنون بـالله ورسله تدخـلون الـجنة، ولـم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتبـاع الأنبـياء والرسل من الشدائد والـمـحن والاختبـار، فتبتلوا بـما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدّة الـحاجة والفـاقة والضرّاء، وهي العلل والأوصاب ولـم تزلزلوا زلزالهم، يعنـي: ولـم يصبهم من أعدائهم من الـخوف والرعب شدة وجهد حتـى يستبطىء القوم نصر الله إياهم، فـيقولون: متـى الله ناصرنا. ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب، وأنه معلـيهم علـى عدوّهم، ومظهرهم علـيه، فنـجز لهم ما وعدهم، وأعلـى كلـمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا.

وهذه الآية فـيـما يزعم أهل التأويـل نزلت يوم الـخندق، حين لقـي الـمؤمنون ما لقوا من شدة الـجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فـيه يومئذٍ"(2)

وقال الخازن" أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من إتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والابتلاء والاختبار"(3)

فلنصبر على الدعوة لدين الله عز وجل ، كما صبر الأولون.

وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم نجد دروساً هائلة في الصبر والإحتساب في مقام الدعوة، فها هو يأتيه  ملك الجبال حينما اشتد به الأذى فيقول :

"يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ". رواه الشيخان.

ويقول صلى الله عليه وسلم :" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " رواه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه وإسناده حسن

ولو نظرنا إلى قوله تعالى:

"تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" [المعارج:4-5]، لوجدنا أن هناك حكمة في ذكر مقدار اليوم: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) فإن ذلك يعطي شعوراً بأن عمر الإنسان كله محدود؛ فلو قضى الإنسان خمسين سنة في الدعوة إلى الله فهي لا شيء من خمسين ألف سنة؛ فليس هناك داع للتضجر؛ فاصبر صبراً جميلاً.

كما وجه الله تعالى خطابه للمؤمنيين يحثهم على الصبر والثبات فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }آل عمران200

يعلق سيد رحمه الله بقوله:

"الصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة. إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء, وبالإيذاء والابتلاء.. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق, ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة، من الألم والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحياناً في الخير، وقلة الرجاء أحياناً في الفطرة البشرية؛ والملل والسأم واليأس أحياناً والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله، واستسلام لقدره، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع..

والصبر على هذا كله - وعلى مثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل.. لا تصوره حقيقة الكلمات. فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة. إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق؛ وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات!

والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي. فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء. كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه.."(4)

على الداعية أن يدرك أن الحق لا سلطان له ولا بقاء إلا بالصبر، فإن النصر مع الصبر، ومن يدمن قرع باب يلج، فالطريق شائكة موحشة، قد يقل فيها الناصر والأنيس والمواسي والرحيم، وحينها لابد أن نسمع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله:

" لا تستوحشوا طريق الحق لقلة رواده"

ليس من السهولة أن تُزيح زور الجاهلية بين عشية وضحاها ، فتُطهر العقول من رجسها، والطبائع من رذائلها، كما أن زاداً من الصبر لا يجدي، وإنما لابد من رصيد هائل لا ينفذ، حتى تنتصر إرادة المصلحين.

 

عدد الزيارات : 2078