مقالات دعوية

يا أنفس الهيئات

اسم الكاتب : د.محمد الهبدان
27/ذو القعدة/1434 الموافق 01 أكتوبر, 2013

يا أنجم الهيئات

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يُهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يضلل فلا هاديَ له .

وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) (آل عمران:102) .(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )) (النساء:1) . ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )) (الأحزاب:70-71) .

أما بعد : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أيها المسلم : قل ما تشاء ، وحدث بما يحلو لك ، وأرسل عنان قلمك ، وأطلق لجام كلامك ..قل ما تشاء عن الأكف الحانية.. والأعين الساهرة.. والأم الرؤوم والأب العطوف.. الأم الرؤوم الذي يحز في نفسها أن ترى أبناءها يتجرعون السم من أيدي ضعاف النفوس, ويكدر نفسها أن تضيع زهرات أعمار شبابنا فيما لا يفيد, ويضيق صدرها وهي ترى الصلاة تقام ورجل واقف مكانه لا يتجه للمسجد, وتثير غيرتها على أعراض المسلمين رؤيتها لبنات المسلمين بلباسهن المتبرج في مركز تجاري أو مطعم ما في وقت غير مناسب أو بلا محرم أو بلا أدب, بل بتبرج فاضح ،وتثير حميتها رؤية الشباب المستهتر وتهافتهم على المعاكسات والنيل من أعراض نساء المسلمين.. وتتحرك أشجانهم عندما يرون أبناء المسلمين ضحايا المسكرات والمخدرات .

نعم أيها المسلمون إنهم رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..

يا هيئة الإرشاد وجهك مشرق       والمكرمات روائحٌ وغَوادي

أمر بمعروفٍ ونهيٌ صــادقٌ       عن منكرٍ وتحللٍ فســادِ

إنها هيئة التقويم والإصلاح.. هذه الهيئة عندما وضعت سفينة النجاة شعارا لها ..لم تكن تمزح ولم تكن أهدافها فراغا , بل كانت وما زالت كالقائد الذي يقود دفة الأمة إلى بر النجاة وأكرم به من بر, حيث الأعراض مُصانة والخمور مراقة والمعاكسون مقو مون والأمن مستتب . يقول صلى الله عليه وسلم : ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن امسكوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)) رواه البخاري .

واسألوا من وقع في أيديهم من الفتيات وهن على حالة منكرة .. كيف انتشلوهن من بحور الظلمات.. كيف صانوا أعراضهن.. كيف أنقذوهن من براثن الكلاب المسعورة التي لا ترحم. لم يكن منعهن من التبرج في الأسواق تعدياً على حريتهن الشخصية أو تحكما بهن, بل صيانة لهن وحفظا عليهن ، و اسألوا الشباب كم تائبٍ تاب على أيديهم ..وكم ضائع اهتدى بسببهم - بعد الله - وكم حائر أخذوا بيده إلى الطريق القويم.. كم مدمن للخمر ضربوا على يديه حفاظا على دينه وصحته.. وكم من تارك للصلاة أرجعوه إلى بوتقة الدين.. كم من معاكس أوقفوه عند حده ومنعوه من اللعب بأعراض الناس, وكم من متشبه قوموه وأرشدوه , كم من فرد كان على شفا الوقوع في الفاحشة والهاوية فوجدَ رجال الهيئة يبصرونه بما ينفعه ويحذرونه مما يضره ؟

كم مروج للأشرطة الفاضحة والسموم المهلكة وقع في أيديهم فمنعوا شره عن أولاد المسلمين .. كم وكم..ألا ترونهم في الأسواق وفي أماكن التجمعات آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر.. أهم ينتظرون مكافأة وجزاء? تكفيهم المكافأة التي وعدهم بها الله سبحانه :((أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (آل عمران:104) .

والمكافأة التي وعدهم بها صلى الله عليه وسلم بقوله : ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)) .

يا خيرنا ..يا ذخرنا ..يا فخرنا       حقٌ عليَّ بمثلكم أن أفخــرا

كم من فتاةٍ قد حفظتم عرضها         توصونها باللين أن تتستــرا

كم غافلٍ أرشدتموه إلى الهـدى        إذ عاد من بعد الضلالة مُبصرا

يا من إذا نمنا بثوبِ أمـــانِنا        فتحوا العيونَ الناعساتِ لتسهرا

هيئاتُنا تاجٌ على هامـاتـــنا        أخشى بدونهمُ بأن لا نُمطـرا

هذه هي الرئاسة وهؤلاء هم رجالها ..لا كما يزعمه الأفاكون ..والذين أعماهم الحقد ، وأعشاهم الحنق ، فانطلقوا يهذون بما لايدرون ، ويهرفون بما لا يعرفون ، يقلد بعضهم بعضا ،ويتحاكون تحاكي الببغاء .

إذ ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدق ما يعتاده بالتوهم

فهذه الأقلام الجائرة ، والأفهام الحائرة ، يصدق عليها بحق وحقيقة قول الأول :

إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا      هذا وما سمعوا من صالح دفنوا

وكل ينفق مما عنده ، وكل إناء بما فيه ينضح ، نفوس جبلت على المقت والبغضاء ، والكراهية والشحناء .

 والأمر أيها المسلمون : لا يحتاج إلى تفكير طويل ، ولا إلى ذهن ثاقب في حل هذا اللغز ..لماذا يهاجم هؤلاء الأفاكون رجال الحسبة المصلحين من غير ذنب جنوه ، ولا جرم ارتكبوه .

وإذا أردت أن تعرف سبب ذلك فأسأل متعاطي المخدرات ومروجيها عن جهاز مكافحة المخدرات وعن تقويمهم له !! ماذا سيقولون ؟ إنهم قطعاً سيكررون نفس المسرحية ، وسيكيلون الشتائم لهذا الجهاز ؟ !!

وأسأل اللصوص وقطاع الطرق عن رجال الأمن الذين يأخذون على أيديهم ويمنعونهم من ممارسة مهنتهم القذرة ، وهوايتهم الدنيئة ، فماذا تظن أن يقولوا ؟

وهكذا هؤلاء الموتورون  حين تسنح لهم الفرصة لينقضوا على جهاز الإصلاح - الحسبة - الذي منعهم من شهواتهم المحرمة ، وحال دون تنفيذ مشاريعهم المشبوهة ، فعلوا ما بوسعهم كما حصل في حادثة حريق المدرسة، فقد تتابعت الأقلام، وانهال سيل من السهام على هذه الرئاسة المباركة ظلما وبهتانا، وكذباً وافتراء ..كل ذلك من أجل إقناع الرأي العام بما يخططون به لهدمها، ولكن الله تعالى قد خيب آمالهم ولله الحمد والمنة .

ونصيحة من قلب صادق ناصح لهؤلاء المستهترين المفترين..عجباً لكم ..أما وجدتم ما تفترون وتستهزئون به إلا رجال الحسبة ..هؤلاء الرجال الأبطال والجنود المجهولون، الذين واصلوا سهر الليل بكلل النهار، وأبت عليهم هموم الأمة ومصائب المجتمع وحراسة الفضيلة التمتع بما يتمتع به غيرهم من إجازات صيفية وسياحة برية ، ورحلات صيديه ، بل وصلوات رمضانية وتهجدات ليلية، قلوبهم تتقطع حسرة وهم يرون الوفود تتجه في العشر الأواخر من رمضان وغيرهم إلى بيوت الله مصلية عاكفة وداعية ، ثم يأتي متكئ على أريكته يتنعم بنعمة الأمن التي حفظها الله علينا ودفع ضدها بفضله ثم جهود أولئك الأخيار ، فلا يجد له شغلاً إلا التندر برجال الحسبة وقديماً قالت العرب :

ويل للشجي من الخلي

فكفوا شركم ووفروا حسناتكم إن كان لكم منها بقية ، واعلموا أن الله يغار لهؤلاء ويدافع عنهم قال عليه الصلاة والسلام : (( يا أبا بكر إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت الله)) .

يعني ضعفة المسلمين هذا وهو أبو بكر !! ويقول الله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ)) (آل عمران:22,21) .

أيها المسلمون :وحتى تعلموا فضل هذه الرئاسة المباركة ، وجهودها الجبارة في المحافظة على أمن المجتمع وسلامة أعراض الناس وأديانهم.. إليكم هذه الأرقام وهي للعام الحادي والعشرين وأربعمائة وألف للهجرة وعلى مستوى البلاد كلها :

أولاً : ما يتعلق بمسائل العبادة - كالتخلف عن صلاة الجماعة أو التأخر في إغلاق المحلات التجارية بعد الأذان ، أو الإفطار في نهار رمضان أو القمار - بلغت عدد القضايا أكثر من مئتين وثمانية وثلاثين ألف قضية . (238,024) [1] .

كل هذا في عام واحد ..كم يحتاج هذا الجهد من وقت ورجال ..لولا فضل الله تعالى ثم هذه الجهود المخلصة .

ثانياً : ما يتعلق بالقضايا الأخلاقية وتشمل بيوت الدعارة ، وعمل قوم لوط، واغتصاب ومحاولة اغتصاب الأحداث، والزنى، ومعاكسة النساء ، والخلوة المحرمة، وملاحقة ما يسمى بالجنس الثالث ومظاهره ، وقد بلغ عددها إحدى وأربعين ألف وسبعمائة وتسعة وخمسين حالة (41,759).[2]

ثالثاً : ما يتعلق بقضايا المسكرات ، وتشمل المسكر وحيازته وترويجه وتصنيعه والتعاون على الترويج والتصنيع واستشمام الروائح المسكرة ، وقد بلغ عددها أكثر من ثلاثة آلاف حالة (3,008) [3] .

رابعاً : مايتعلق بقضايا المطبوعات وتشمل الصور الخليعة والصور المجسمة، ومطبوعات الأفكار الهدامة ،والأشرطة الجنسية ، وقد بلغ عددها ألفين وستمائة وسبعة وثمانين (2,678) حالة [4].

خامساً : ما يتعلق بقضايا المخدرات وتشمل استعمالها أو حيازتها أو ترويجها أو التعاون على ذلك، وقد بلغ عددها ثلائمائة وتسعةً وأربعين حالة [5] .

مع العلم أن الرئاسة ليست مكلفة بهذا العمل و ليس من تخصصها ومع ذلك حصل منها هذا الجهد المشكور .

سادساً : بلغ عدد القضايا الأخلاقية التي تم الفراغ منها داخل أسوار مراكز الهيئات ثمانيةً وستين بالمائة ، وما يتعلق بقضايا المطبوعات أُنهي داخل مراكز الهيئات ما يعادل اثنين وسبعين بالمائة [6]..فأين الذين يتهمون رجال الحسبة بأنهم يفضحون الناس ولا يحرصون على الستر على أبناء المسلمين وبناتهم ..هاهي الإحصائيات تنطق بالحق وتكذب تلك المقولات الناشئة إما عن حقد دفين أو جهل مبين . فهل تتوقف ألسن طالما امتدت على رجال الحسبة بإلصاق الشائعات وترويج الأكذوبات ؟!!

ولو أن المصيبة وقعت على واحد من هؤلاء الحاقدين المتقولين فتعرض فاسد لبنته أو أخته لأدرك حينها أهمية هذا الجهاز وعظمة رجاله !! وكم حانق حاقد عليهم لم يرعه في هدأة الليل  إلا وجرس هاتفه يقرع عليه وهو غارق في بحر نومه أو لهوه ويطلب من قبل الهيئة ليستلم ابنته أو أخته وربما أمه كما حصل سالمة مسلمة مستورة بعد تخليصها من براثن ذئب عادٍ فانطلق لسانه لاهجاً داعياً شاكراً معترفاً بفضلهم وأصبح عنهم من المدافعين .

أيها المسلمون : فهذا جزء يسير من جهود الرئاسة وقد أعرضت صفحاً عن أعمال أخرى طلباً للاختصار..ويحق لنا أن نتساءل : كم يا ترى ..عدد الذين عملوا كل هذه الأعمال الجليلة ..وحققوا هذه الإنجازات الباهرة ..وكفوا المجتمع من شرور كانت ستحصل، ومفاسد كانت ستقع ؟ لقد  بلغ عددهم ألفين وثمانمائةٍ وثمانيةً وستين عضواً [7] موزعين في أنحاء البلاد المترامية ‍‍‍‍..أبعد هذا يسمع قول واش فيهم ؟ أبعد هذا يستمر أناس في الأكل من لحومهم ، والانتقاص من قدرهم ؟‍‍ والله تعالى يقول : ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)) (الحجرات:12) .

فكيف بلحوم المصلحين والدعاة العاملين فلحومهم مسمومة ، وسنة الله في منـتقصهم معلومة .

أيها المسلمون : ما يُقالُ من نقص الكفاءاتِ والقدراتِ الإداريةِ لدى الرئاسةِ ورجالها ، فمع هذا النقصِ والذي هو موجود في كافة القطاعات فإنه يمكن أن يقال :

أولاً: إن الإحصائياتِ الدقيقة السالفة، تبينُ بجلاءٍ الدور الكبير الذي تقوم به الرئاسة مع قلة أفرادها ، وضعف إمكاناتها ، وكثرة المتربصين بها ، وقلة نصيبها من الوظائف التي تعطى لبقية الأجهزة من الإدارات الحكومية من وزارة الخدمة المدنية ، علماً أنها جهاز أمني فعال .

ثانياً : (هناك دراسة اجتماعية أكدت أن ما نسبته سبعين بالمائة من الجرائم الأخلاقية تم ضبطها من قبل رجال الهيئة..الذين هم عيون المجتمع الساهرة)[8]..هذا مع النقص فكيف لو أعطي رجال الهيئات بعض الخدمات التي تعطى لعمال النظافة من ميزانيات وأجهزة اتصال وكثرة الأفراد ووسائل النقل ؟ بل كيف لو أعطوها كما تعطى بقية أجهزة أمن الدولة والهيئة واحد منها فكيف سيكون الحال ؟‍‍

ثالثاً : حصلت الرئاسة على شهادة من مسؤول أمني كبير يعرف قيمة الأمن والأعراض ، يسجل ما للهيئة من أهمية واقعية للحفاظ على أمن وسلامة وأخلاق المجتمع ، فمن ذلك ما قاله الأخ الفاضل رجل الأمن ؛ اللواء (جميل الميمان) بشهادة رائعة تجسد حقيقة ثمار الهيئة ونظام الحسبة :( بصفتي أحد رجال الأمن ..أسجل هنا بكل صراحة كلمة حق هي أنه لولا وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقيامها بواجبها ورسالتها السامية دون كلل أو ملل بتأييد من الحكومة ، لكانت المجتمعات السعودية في وضع مخل أخلاقيا ، ولما أمن المواطن على عرضه ، وهي بما تقوم به من أعمال جليلة هادفة إلى الخير والإصلاح ومحاربة الرذيلة بصورها المختلفة)[9].

رابعاً : يحق لنا أن نتساءل : هل النقصُ الموجود في الرئاسة سببه داخلي ؟ أم أن هناك أسبابا خارجية ...والمتأمل أيها الناس يجد أن هذا النقص إنما هو بسبب قلة الإمكانات الموجودة مع رجال الهيئة ..فرجال النظافة والبلديات يحملون الهاتف النقال ورجال الهيئة محرومون منه مع أهمية هذه الوسيلة في متابعة العابثين بأخلاق الأمة وكرامتها ..وعندما دخلت خدمة الهاتف الجوال فك أزمة عظيمة عنهم ..وأصبحوا يتحملون هم أجور المكالمات والتي من خلالها يتم ضبط القضايا وقد تصل بعض فواتيرهم إلى أكثر من ألفين إلى ثلاثة آلاف ريال ..ورواتبهم غالباً ما بين الألفين إلى ثلاثة آلاف فماذا يفعل رجال الحسبة ؟ فهل نتقي الله فيهم ؟

وأمر آخر ..هل يمكن أن يغطي ثلاثة آلاف عضو على ما يقارب عشرين  مليون نسمة؟‍‍

فعلى سبيل المثال في منطقة الرياض وما يتبعها من محافظات ..يوجد تسعمائة وخمسون عضوا ..فماذا يغطي هؤلاء ؟ هل يغطون الأسواق التجارية التي انتشرت في كل ناصية طريق ؟ هل يغطون الحدائق العامة المتناثرة هنا وهناك ؟ هل يغطون المطاعم العائلية ؟ هل يغطون المنتزهات والمدن الترفيهية ؟‍‍ هل يتابعون  المتخلفين عن الصلاة ؟ هل يراقبون أصحاب المسكرات والمخدرات ؟‍‍ هل يتجولون في المقاهي والشقق المفروشة ؟ وهل هل أسئلة كثيرة ..فيا مسلمون أيتصور أن يكفي قرابةُ الألف عضوٍ لمتابعة كافةِ هذه الأعمال ..المتناثرة في أماكن متباعدة ..ففي حي من أحياء مدينة الرياض يوجد ستة عشر سوقا وعدد أعضاء المركز خمسة عشر عضواً ..فهل تصورتم حجم المشكلة أيها الناس ؟‍‍ مع أن منطقة الرياض تُعد أحسن حالاً في عدد المراكز والأفراد ، فكيف يكون الحال في المدن الأخرى ؟!! فإلى الله المشتكى ، وهو المستعان.

ومع كل هذه النقائص استطاعوا أن يحققوا ما لم يحققه من أعطي كافة الخدمات وما ذاك إلا بسبب أنهم يعملون بصمت وإخلاص ..يحملون هموم المجتمع ..ووقتهم متاح للجميع.. ولكل من يستنجد بهم..

أيها المسلمون : ومع هذا كله فإننا لا ندعي العصمة ، ولا ننفي الخطأ عن رجال الحسبة ، فالخطأ طبيعة ابن آدم ، لكن لا سواء بين خطيئة مصر ومستكبر ، وبين خطأ غير مقصود وقع سهواً وعفواً من مجتهد أقل أحواله أنه مأجور على خطأه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو على خطأه من أكثر الناس تحسراً وأسفاً  .. والوقوع في الخطأ وقع لأكمل جيل وأفضل رعيل ؛ ومع ذلك قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المربي الأعظم بالصفح والعفو ..بل والاستغفار والاعتذار ..ألم يسرب حاطب بن أبي بلتعة سراً من أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية الحربية إلى أعداءه ..فماذا قال رسول الله لما أراد الصحابة رضي الله عنهم به بطشاً وقتلاً واتهموه بالنفاق ..اتركوه إنه قد شهد بدراً ..وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان في سيفه شيء من الرهق من شدة غيرته ، فقتل أنفساً مسلمة لا تستحق القتل ومع ذلك دافع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الأصوات المطالبة بعزله واعتذر  له ولم يجرده من ألقابه ، ولم يسلبه وسام سيف الله المسلول ، ولم يعزله عن القيادة ..علماً أن رجال الحسبة لم يتعرضوا لأحد بقتل ، وإنما تعرضوا للقتل من قبل أهل الفجور، فهل جزاءهم إذا اجتهدوا وأخطئوا أن يسجنوا أو تشكل لجان للتحقيق معهم أو نقلهم نقلاً تأديبياً ؟!! يقول الله تعالى : ((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) (البقرة:286) قال الله : قد فعلت.

وحول ما يبدر من بعض منسوبي هيئة الأمر بالمعروف والنهي المنكر أكد نائب رئيس الاستخبارات العامة قوله وفقه الله : (أن التقصير ملازم للبشر ..والكمال فقط لله ..وما هناك جهة إلا وفيها تقصير ..سواء كانت مباحث أو شرطة أو استخبارات أو أي جهة أخرى .. فهذا من طبيعة البشر والكمال لله ..لكن يجب أن ننظر للنواحي السلبية والنواحي الإيجابية ..فإذا كانت الإيجابية هي الغالبة وهي الأساس في العمل ..فهذا ما نتمناه ..وإلا فإن رجال الهيئة مثلهم مثل غيرهم من البشر ..ولكن يجب أن ننظر إلى المجهودات التي قاموا بها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..وهذا شيء عظيم ..فالأعمال التي يقومون بها عظيمة جدا ..من مكافحة للمخدرات ..ومكافحة الرذيلة ..وأمور كثيرة جداً ..)[10]

أيها المسلمون : إني لأعجب والله ..بعد هذا ..لمن يتناول رجال الهيئات سبا وتأثيما , ويتعرض لهم قذفا وتلفيقا وحسبه من الإثم أن يقف في طريق من يأمر بحدود الله وينهى عن محارمه ..وإن ترخص أناس في الكلام فيهم لأنهم كما يزعم هؤلاء يتعدون على خصوصيات الناس وحرياتهم الشخصية, فنقول: أي حرية في التعدي على حدود الله ومحارمه؟ أي حرية في التعرض لأعراض المسلمين؟ أي حرية في العبث بفتيات الأمة ؟

أي حرية في شرب الخمر والمتاجرة بها؟

أي حرية في التبرج والسفور وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين؟ أي حرية في التشبه بالنساء وإضاعة حقوق الله والتعدي على محارمه؟ نعم أي حرية هذه? إن الحرية الشخصية لها حدود مقيدة بالكتاب والسنة ونحن نقرأ قوله صلى الله عليه وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) .

ولهذا وذاك كان يجب أن يكون هناك من الأمة من يقوم بهذا الدور المهم.. الضرب على أيدي المفسدين وثني الضالين عن ضلالاتهم..نعم إذا خلى أحدهم بنفسه وبين أسوار بيته فليمارس ما شاء من حرية شخصية والله تعالى له بالمرصاد ..لا تخفى عليه خافية ..ولن يتسور بيته عليه أحد ، أما أن يخرج إلى الشارع أو تخرج المرأة إلى السوق والمطاعم والميادين والتجمعات بكل هذه الفواحش والقبائح والرذائل فكلا وألف كلا ..هذه فوضى وليست من الحرية في شيء ..و لك أن تتصور كيف يتحول حال الأمة إذا تصرف كل فرد فيها على هواه وأتى من المحارم ما أراد، ومتى شاء, كم من الأعراض ستنتهك؟ وكم من الأمانات ستضيع؟ وكم طاقات للشباب ستستنزف ؟ وكم هو الوقت المهدر من عمر هذه الأمة سيكون؟

ولك أن ترى حال بعض الدول التي ظلمت نفسها بتركها هذا الواجب وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما جهلا أو تجاهلا , انظروا كيف يعانون ،ومن تحت الأنقاض يصرخون ،ويطالبون بالأمان ولا أمن, يطالبون بصون الأعراض.. يطالبون بوقف نزيف تضييع الدين ولكن لا فائدة, فالحمد لله الذي قيض لنا تحقيق هذا الواجب وألهم رجالا مقتدرين على حمله بأمانة, ففي كل وقت تراهم يجوبون الأحياء بحثا عن معروف يؤمر به ومعصية ينهى عنها..

يا رب زلزل من يريد بجمعهم      سوءاً وشُلَّ يمينه والمنخرا

هم للورى ركبُ النجاةِ تقدُّماً وبدونهم تمضي الركاب إلى الورا

وأخيرا جزاكم الله خيرا يا رجال الحسبة.. وبارك الله في جهودكم أيها المحتسبون,

أيها المحتسبون : اصبروا وصابروا ورابطوا, واحتسبوا الأجر عند الله فحسبكم دعوة أم لكم بالسداد بعد أن أنقذتم ابنتها من غائلة الانحلال, ودعوة أب أنقذتم ابنه من براثن الفساد, ودعوات أسرة سرتم بربها إلى بر النجاة وأنقذتموها من التشرد والضياع, فكنتم وما زلتم كالأب الذي يتابع أبناءه فيقوم من يخطىء ويرشد من ينحرف وكالأم التي يؤلمها أن يصيب فلذات أبنائها الشر, قد يقابلكم البعض بالنكران والجحود, وقد يتهمكم البعض بالقسوة والجمود,ولكن حسبكم من عملكم دعوة صالحة كما أسلفت وأجركم على الله ولا تسمحوا لمن يثنيكم عن عملكم أن ينال منكم.. سيروا والله يوفقكم ويرعاكم ويسدد على طريق الحق خطاكم ، يقول الله تعالى : ((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)) (لقمان:17)

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم،  واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

 

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين . 

أيها المسلمون : إن كان لنا من مطالب فهي كما يلي :

أولاً : ألا تستحق الرئاسة بعد هذه الجهود الضخمة الجبارة التي عملوها أن تتحول إلى وزارة ، خاصة مع حاجة المجتمع إليها ، وأن بعض أهل العلم عدو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركناً سادساً من أركان الإسلام ..إذن ألا يستحق هذا الركن أن يوضع له مكان يليق بشرفه وأهميته ؟!! أترى السياحة منها أهم والأصوات متكاثرة والدعوات متتابعة والجهود متوافرة لتحويل هذه الأخيرة إلى وزارة فياليت شعري أيتهما أهم وأقدم ؟

ثانياً : مع توسع المدن وأحيائها وزيادة أعداد المراكز التجارية والصروح المختلفة وقوة التيار الخارجي المنحرف المحرق عبر وسائل الإعلام المختلفة, كان لزاما على المسؤولين أن يتوسعوا ، ويزيدوا من فروع الهيئات ورجالها وما يحتاجون إليه ...حتى يكون في كل بقعة مركز إشعاع يشيع نورا وهدى وحقا ..وتعطى الهيئات الوظائف والمراتب العالية التي تدفع طلاب العلم إلى الالتحاق بها ..وأن يكون لهم من الاهتمام مثل غيرهم من موظفي الدولة، من حيث الرواتب والمكافآت، والبدلات ، وغيرها من الحوافز، لأنهم  يعانون في عملهم أكثر من غيرهم، نظرا لاحتكاكهم بالجمهور، وعلاقتهم بالقضايا الأمنية التي قد يدفع الإنسان نفسه في سبيلها .

ثالثاً: تطبيق نظام الهيئات الأول الذي صدر من مجلس الوزراء عام أربعمائة وألف للهجرة بكافة صلاحياته ومزاياه ، فإن الرئاسة تفتقر الآن إلى الكثير من الصلاحيات ..والذي سبب غيابها ..الحد من نشاطها ، والتقييد من جهودها .

رابعاً : ضرورة تعزيز دور رجال الهيئة في المجتمع، وتأهيلهم فنياً، وتزويدهم بالهواتف النقالة ووسائل الأمن لحمايتهم، من المجرمين ، وأن تعقد لهم دورات تدريبية  لتعلم فن التحقيق بسبب تمرس المجرمين في طرق الفساد ومقدرتهم على التخفيّ ، وهذا يتطلب أن يتعلم الأعضاء في الهيئة فن التحقيق المتطور.

كلمة أخيرة أوجها لكل عضو من أعضاء الهيئة - حفظهم الله - :مهمة الإصلاح ليست هينة، وتذكروا أن الله معكم، وتذكروا أن قلوبنا معكم، فلتسر قافلتكم الإصلاحية تقود المجتمع إلى بر الأمان، ولتبقى الأصوات النشاز تنطلق فهي عما قريب ستكون من الماضي بمشيئة الله .

عدد الزيارات : 1055