مقالات دعوية

يادعاة الحق ..

اسم الكاتب : د. عبد الرحمن بن عبد الله العضياني
12/ربيع الأول/1435 الموافق 13 يناير, 2014

بسم الله الرحمن الرحيم .. على أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سارت الدعوة الإسلامية في بلادنا - المملكة العربية السعودية - يوجهها في العصر الحاضر كبار علمائنا برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- فمن دونهم من علماء ، وطلاب علم ، ومشايخ ، ودعاة ، ومعلمون، ومربون فضلاء، وأخيار، وتجار . وترعاها حكومة هذه البلاد – وفقها الله- ، فنعم السير مسيرها .

 

كنا أيام الصبا نقرأ الكتب التي تقع في أيدينا ونثق أن بلادنا- حرسها الله- لا تأذن لأي كتب مناوئة للوحيين في الجملة أن تدخل مكتباتنا ، وكنا لا نعدم توجيها وتنبيها من مشايخنا وأساتذتنا ومعلمينا على ما يرد فيما نقرأ من شطط وخطل ، وعلى ما يقع من بعض العلماء والمؤلفين والكتاب من خلل وزلل، حتى استقر في عقولنا أنه ما من مؤلف ولا كاتب ولا محاضر إلا وقد يعتريه ما يعتري البشر وأعمال البشر، من صواب وخطأ ، فالكل معرض لهذا وهذا ، مهما توسعت مداركهم ، وعلت منازلهم ، وأنه لا يسلم من الزلل من البشر إلا صاحب الرسالة المعصوم عليه الصلاة والسلام ، ولربما سمعنا شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يقول عن بعض المؤلفين والكتاب والمحاضرين " لقد أجاد وأفاد " ، ويقول: " كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " كما قال ذلك بعض من سلف ، وسمعناه كثيرا من علمائنا حتى استقر في أذهاننا فأصبحنا نسير على وفقه .

 

كنا نستفيد مما عند المؤلفين والكتاب والمحاضرين من الخير وندع ما سواه ونترحم عليهم ونستغفر لهم زللهم ، وإن أمكن مناصحة الأحياء منهم فعلنا . وقيلـنا ما قاله ربنا على لسان التابعين بإحسان ،{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا }..[الحشر:10]

 

يا دعاة الحق ؛ لا والله ماكنا نسمع من علمائنا ما يسمع شباب الأمة اليوم من بعضنا ؛ من ألفاظ الجزم بالتبديع والتفسيق والتكفير، والاتهام والتسفيه والتحقير، والتنصيص على دعاة وطلبة علم ،وأخيار وفضلاء ، وهمزهم ولمزهم والوقيعة في أعراضهم، وتنفير الناس عنهم ، بل إننا كنا نعتبر ذلك قبحا وغيبة منكرة في حق عامة المسلمين ، فضلا عن العلماء والدعاة والأخيار والمصلحين ، حتى لو حصل من بعضهم زلات وهنات، فهم بشر يصيبون ويخطئون ، ولو كشف الله الستر عن بعضنا لجفاه الأقربون.

 

يا دعاة الحق ؛ لقد كنا نحضر دروس ومحاضرات الكواكب الزاهرة ؛ أمثال ابن باز، والقعود ، والغديان ، والفوزان ، الجبرين ، واللحيدان ، وغيرهم في الجامع الكبير بالرياض قبل ثلاثين سنة ولا ترى إلا الإخاء الصافي والود المتين والمحبة الصادقة بين العلماء ومن بين أيديهم من طلبة علم وعامة .

 

لقد كنت وغيري نراه حبا في الله وصفاء قلوب حتى النخاع !

 

يا دعاة الحق ؛ كنا يومذاك إذا رأينا الشاب عليه أمارات الصلاح فضلا عن طالب العلم رقصت قلوبنا فرحا لطلعته ، وتعانقنا وكأن بيننا ود وتعارف من زمن بعيد، إنها سلامة الصدور، وصفاء القلوب .

 

سارت الصحوة المباركة تشق طريقها قدما ، ثم انتشرت انتشارا لا مثيل له ودخلت كل بيت ، وكل بلد عربي وإسلامي ، حتى دخلت ديار الكفار، فتاب عن غيه بسببها من تاب ، واهتدى إلى الطريق القويم من أهتدى ، وأسلم من الكفار من أسلم ، ولله الفضل والحمد من قبل ومن بعد.

 

كانت المنكرات في بلادنا - حرسها الله – تظهر على استحياء وتنكر وتزول، وتظهر وتختفي ، وكانت العامة يجلون طلبة العلم ويسمعون منهم ويصدرون عنهم.

 

وكان الخطباء يصدعون بالحق ويدعون لولاة الأمر على المنابر، والناس يؤمنون ،والقلوب متآلفة مجتمعه ، وليس فيه ما يكدر صفوها .. وفي الجملة ؛ لقد كان للخير والتآلف والاجتماع صولة وجولة و دولة .

 

بربكم هل تذكرون تلك الأيام ؟ !! نعم ربما أن بعضكم لم يدركها .

 

* رأينا منذ سنيات قلائل إلى اليوم ثمار تلك الدعوة والاجتماع وصلاح النفوس في أقاصي الأرض ؛ فلا تكاد تصل إلى بلد من البلدان إلا وترى آثار جهود ودعوة علمائنا وتلاميذهم ومن تأثر بهم فيه ضاحكة مستبشرة.

 

هنا .. أدرك أعداء الدعوة إلى الله في شتى مراكزهم بحسب رؤاهم، أن هذا الخير يشكل خطرا على مصالحهم وشهواتهم ،فلم يجدوا أنجع من ضرب الخير ببعض أهله ، كما فعلوا بضرب ديار الإسلام بدياره الأخرى ، وضرب العرب بالعرب ، وإيقاد الفتن بينهم وهم في موضع فرجة يتفرجون - قاتلهم الله- ، ومن هنا ضرب الخير ببعض أهله، وطلاب العلم ببعض من دونهم ، واجترأت الرويبضات فتطاولت على الجبال الشم من العلماء وسرا حديثها سريان السم في جسد اللديغ ، ومرر الشر على أفواه من ينتسب للخير شيئا فشيئا حتى استساغه بعضهم، وتناحر بعضنا في مواقع شتى وفي الإعلام على وجه الخصوص !!

 

ليس بدعا من الأمر ما صنعوا ، وليس غريبا ما فعلوا؛ فأقرب مثال استحضره وأنا أكتب هذه المقالة ؛ الخديوي إسماعيل باشا لما أراد إقرار القانون المدني الفرنسي وإحلاله محل الشريعة الإسلامية في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي طلب من بعض من ينتسب للعلم إقناع الناس أنه مأخوذ من الفقه المالكي فاستطاع المأجورون والمتمصلحون، أن يقنعوا الدهماء والسواد الأعظم بهذه الرؤية ، فتم تمرير القانون مع الأيام ، وباء الخديوي وعلماءه بذنب محو الشريعة من مصر إلى اليوم .

 

يا دعاة الحق ؛ لعمر الحق لقد كان الفتى في زمن مضى إذا جلس يخطب مولية أحدهم وقد ظهرت عليه أمارات الصلاح ، تهلل في وجهه وهش له وبش وقال: أنت أنت .. وليس غيرك ؟ نحن نشتري نسبك ، ونشرف بمصاهرتك.. فحيهلا بك .. فلم تزل عجلة المكر بصحوة الأمة ويقظتها وشبابها تدار بطرق وأخرى .. حتى إذا ما رأيت الشاب وقد طر شاربه ، وبدت رجولته، واشتد عوده، ورجي نفعه لأمته ، جعلت تسأل؛ هل الولد سلفي! أو إخواني! أوسروري ! أو جامي! أومرجيء! أو قطبي! أو تبليغي ! أو إرهابي! أو تكفيري! ، أوكاهن ودجال! أوجني أو عفريت!! أو ما أدري أيش بعد ؟! وكل حزب بما لديهم فرحون .. ياااا الله ! ما هذا ؟

 

ألا قاتل الله الحزبيات . إن دعا الخطيب بصلاح ولي الأمر قالوا: هذا أجير السلطان .. وإن نسي الدعاء ، قالوا: بدعي لا يدعو لولي الأمر . وإن أثني على بعض الحسنات في مناسبة معينة قالوا منافق متزلف .. وإن لم يحشد عشرات النصوص في وجوب طاعة ولاة الأمر قالوا مشكوك في أمره متهم في ولائه . وإن حشدها قالوا أمارة الجامي . وإن أنكر المنكرات قالوا مثير للفتن. وإن لم يكن نسخة من تفكيرهم صنفوه ضدا لهم مناوئا ، يجب القضاء عليه ، أو اعتزاله على أقل الأحوال !! بل ربما سمع بعضهم يقول ليس لفلان – الداعية - إلا حد السيف ! أي عداوة بعد هذا ؟! .. وكل يدعي وصلا بليلى :::: وليلي لا تقر لهم بذاكا

 

نعوذ بالله من هذه الأحوال .. نعم ، لقد نجح الأعداء ومن كانوا يخططون لنا.

 

يا دعاة الحق؛ وكما رأينا آثار دعوة علمائنا الأجلاء وتلاميذهم ومن تأثر بهم باسمة ضاحكة في الأقطار ، فقد رأينا بواكير آثار هذه الحزبيات والتصنيفات والتسميات في العالم الاسلامي والأقليات في العالم الأجنبي حتى إنه ليأخذك العجب كل مأخذ حينما ترا مسلما جديدا لا يحسن قراءة الفاتحة يلقن الحزبية .!! ( أُفْ )

 

يا دعاة الحق ؛ أما آن لنا أن نقف مع أنفسنا موقف توبة وندم .

 

يا دعاة الحق ؛ أما آن لنا أن نقف مع أنفسنا ، موقف نظر ومراجعة ومحاسبة ؟ ومع بعضنا وإخواننا ، موقف مصارحة ومصالحة.

 

يا دعاة الحق ؛ ألا هل من كرَّة نعيد الى أنفسنا ثقتنا بشبابنا وإخواننا ودعاتنا وعلمائنا ومصادر تلقينا ، أما آن لنا أن نعيد ثقتنا كيوم كنا نصدر العلم والدين والدعوة وسلامة القلوب وإصلاحها إلى العالم ، على وفق منهج الله الذي أنزله في كتابه، وجاءنا به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، ودرج عليه سلف أمتنا وتعلمناه من كبار علمائنا .

 

يا دعاة الحق ؛ ألا هل من عودة وكرَّة للتناصح فيما بيننا كل بحسبه من غير تشهير بأحد، ولا أذية لأحد، ولا اتهام للنيات والمقاصد، إلا من كان معلنا لبدعته ومخالفاته داعيا لها ثم لا ينتصح إذا ما نصح .

 

يا دعاة الحق ؛ لا نريد اتهاما للنيات ولا تقليبا للأمور. لا نريد اقتطاع مقاطع للأصوات ، والمرئيات ، والكتابات ، وتلفيق التهم وتصيد الغفلات والزلات .. انظر ما ذا قال فلان !.. وانظر ماذا قال فلان !.. وانظر رد فلان على فلان! وما رأيك في فلان وعلان ؟! .. والهدف تنفيذ مخطط مرسوم لضرب الدعوة من خلال النيل من بعض رموزها ودعاتها وإسقاطهم ، وإشغال الدعاة عن رسالتهم العظمى، سواء علم المنفذ بالتخطيط أو لم يعلم .

 

قبح الله هذا الصنيع .. ألا ما أشينه وأقبحه . يا له من عمل ما أقذره . كيف سلم أعداء الإسلام الواضحين، ودعاة الشر الظاهرين، على اختلاف نحللهم ومللهم من بعضنا ، لننشغل فقط بزلات عالم موحد ، وداعية مسدد ، مجاهد حياته بقله ولسانه إن كانت، ونعلنها على رؤوس الأشهاد وننشرها في الأقطار بلا حدود ولا قيود . لا أدري من المستفيد من هذه الأعمال غير الأعداء المتربصين ؟! صبي في الثانوية وثان في السنة الجامعية الاولى وثالث.. ورابع .. وعاشر؛ يصنف ويمنهج ويبدع ويفسق! من أين جاء بهذا ؟ أترونه من إرث أكابر العلماء؟! ، أترونه من إرث العاملين الصادقين الناصحين للأمة !. لا والله .

 

يا دعاة الحق ؛ يا أيها الشباب المحسوب على العلم والدعوة ألا يعلم بعضنا أنه يهدم دينه ودعوته وملته من حيث يحسب أنه يبني! ألا يعلم أنه مستخدم من قبل أجندة تريد لبلادنا وشبابنا وعلمائنا وولاتنا وأمتنا سوءا وهو لا يدري! كم تعطل من عمل دعوي !.. وكم أسقط من طالب علم ! وكم نيل من داعية !.. وكم .. وكم.. بسبب أفعال بعضنا، وغفلة آخرين .

 

يا دعاة الحق ؛ إن كلام بعضنا في بعض، يستنسخ من قبل الأعداء ،ثم يضرب به المصلحين والبرءاء .

 

يا دعاة الحق ؛ عذرا عذرا ، فما أنا إلا تلميذ صغير أمام بعضكم ، لكنها مشاعر محب للجميع ، محب للألفة والاجتماع ، ماقت للتفرق والاختلاف ،لاسيما في زمن يتربص بنا الأعداء الدوائر، مشاعر من عاش جيلين من العلماء والدعاة جيل قضى نحبه غفر الله ذنبه ، وجيل ينتظر نسأل الله له التسديد ، مشاعر أبى صاحبها إلا أن تتفضلوا بالاطلاع عليها ومعها خمس آيات ؛ هن قول الله تعالى : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ؛ {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 105] ، وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }[الأنفال:46 ] وقوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا}،[الحج: 78] وقوله تعالى : {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52] وقوله تعالى :{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ () مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [الروم :31-32] . وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا...».

 

هذا فإن أصبت فمن الله وحدة ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله منه. اللهم ردنا إليك ردا جميلا ، اللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .والسلام عليكم ورحمة الله ..

د. عبد الرحمن بن عبد الله العضياني

6/3/ 1435

عدد الزيارات : 1342