المقالات

الوسائل الدعوية

06/جمادى الثانية/1437 الموافق 15 مارس, 2016

بسم الله الرحمن الرحيم

 

    الحمد لله، أعزَّ من أطاعه وأذلَّ من عصاه، وأُصلي وأُسلِّمُ على رسولِ الله خيرةِ خلقِهِ ومصطفاه محمَّدِ بنِ عبدِ الله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعةِ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى اللهِ بإذنِهِ وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصَّرَ به من العمى، وأرشد به من الغواية، ففتح به أعيناً عمياً وآذاناً صُمَّاً وقلوباً غُلفاً، حيث بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمَّة، وكشف الله به الغُمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، فصلواتُ ربِّي عليه وعلى آلِهِ وصحبه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أمَّا بعد:

    فهذا بحث موجز أعددته لنفسي ولمن أراد الانتفاع به من إخواني وأخواتي الدّعاة، جمعته من كتاب الله تعالى وكتب التفسير، ومن سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشروحها، ومن بطون كثير من الكتب والبحوث العقديّة والفقهية والأصولية والدعوية واللغوية وغيرها، كما تراه في ثنايا هذا البحث وفي قائمة المراجع الملحقة به.

    وقد جعلت بحثي هذا

 (( الوسائل الدَّعويَّة ))

 

    في ثمانية عناصر؛ وهي:

    أولاً: مدخلٌ إلى الوسائل.

    ثانياً: تعريفُ الوسائلِ الدَّعويَّة.

    ثالثاً: أركانُ التوسل.

    رابعاً: طرق معرفةِ الوسائلِ الدَّعويَّة.

    خامساً: أقسامُ الوسائلِ الدَّعويَّة؛ وهي:

              -وسائلُ معتبرةٌ شرعاً.

              -وسائلُ ملغاةٌ شرعاً.

              -وسائلُ مختلفٌ فيها.

                مع ذكر نموذجٍ تطبيقيٍّ لكلِّ قسمٍ منها. 

    سادساً: نظريةُ ((الغاية تبرر الوسيلة)).

    سابعاً: ضوابطُ الوسائلِ الدَّعويَّة.

    ثامناً: الخاتمة.

    واللهَ تعالى أسأل الإخلاصَ في القول والعمل، والثبات على الحقِّ حتَّى نلقاه!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً: مدخل إلى الوسائل:

 

    من سنَّةِ الله تعالى أنَّ المقاصدَ لا تحصلُ إلاَّ بالوسائل، لذلك أمَرَ تعالى عباده بمباشرةِ الوسائلِ واتِّخاذِ الأسبابِ الموصلةِ إلى مقاصدها، فقال سبحانه:

    ] وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [ .

    [سورة الأنفال ، الآية 60] .

    وقد استقرَّ هذا الأمرُ في الفطر، وَرَسَخَ في العقول، وَثَبَتَ في المداركِ السويّة، وقامت عليه شؤونُ الدينِ والدُّنيا، وأصبح من لا يباشرُ الأسبابَ الموصلةَ إلى مراداتِه يُنسبُ إلى ضروبِ العبثِ وَقِلَّةِ الإدراك، كما قال الشاعر:

ترجو النَّجاةَ ولم تسلكْ مسالكها    إنَّ السفينةَ لا تجري على اليبسِ

    وعلينا أن نعلم أنَّ جميعَ ما في الكونِ من أشياء لا تنفكُّ عن ثلاثةِ أمور:

        1-مقاصد؛ وهي الأمور التي يُهْدَفُ إليها من وراء الأفعال.

        2-ووسائل؛ وهي الأمور التي يُتَوَصَّلُ بها إلى المقاصد.

        3-وتوابع؛ وهي الوسائل التابعة للمقاصد المتممة لها. 

    قال الشيخ عبدُ الرحمن بنُ سعدي –رحمه الله تعالى-:

    الأشياء ثلاثة: مقاصدُ؛ كالصلاةِ مثلاً، ووسائلُ إليها؛ كالوضوءِ والمشي، ومتمماتٌ لها؛ كرجوعه إلى مَحَلِّهِ الذي خرج منه، وقد ذكرنا أنَّ الوسائلَ تُعطى أحكامَ المقاصدِ فكذلك المتمماتِ للأعمالِ تُعطى أحكامَها؛ كالرجوعِ من الصلاةِ، والجهادِ، والحجِّ، واتّباعِ الجنازة، وعيادةِ المريض، ونحوِ ذلك، فإنّه من حين يخرجُ من مَحَلِّهِ للعبادةِ فهو في عبادةٍ حتّى يرجع.

    [ابن سعدي : المجموعة الكاملة 4/145].

    مثالُ ذلك: الجهادُ في سبيلِ اللهِ تعالى مقصدٌ شرعيّ، تقرر ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، والخروجُ إليه وسيلة إلى تحقيقه، والقفولُ منه فعلٌ متممٌ، أو زائدٌ، أو تابع له.

    وهكذا نجدُ أنَّ الحاجةَ إلى الوسائلِ تستلزمُ معرفةَ أصولِها وأحكامِها الفقهيَّة.

    وأشدُّ النَّاسِ حاجةً إلى معرفةِ هذه الأصولِ والأحكامِ العلماءُ والدُّعاة، لأنَّهم بحاجةٍ إلى معرفةِ ما يُوْصِلُ إلى المقاصدِ الشرعيَّةِ التي يعملون من أجل بيانها للنَّاسِ وتسهيلِ الوصولِ إليها، مجتنبين ما يمكن أن يكون سبباً لارتكابِ محرم، لذلك تَجِدُهُمْ لا يحكمون على وسيلةٍ إلاَّ بعد النَّظرِ في نتائجها وآثارِها.

    وبهذا كان لزاماً على كلِّ من يتصدَّى لقضايا هدايةِ الأمَّةِ –من العلماءِ والدُّعاة– أن يضع الوسائلَ مواضِعَها الشرعيَّةَ الصحيحة؛ من قبولٍ ورفضٍ، وضبطٍ بالضوابطِ التي يكون التزامُها سبباً في منع الوقوعِ في المحرم.

    ومن أجل ذلك كان هذا البحث.

    والله المستعان وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم!

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً: تعريف الوسائل الدَّعويَّة:

    تعريف الوسائل:

    الوسائل: جمع وسيلة، على وزن فعيلة، وقد تجيء الفعيلة بمعنى الآلة.

    قال ابن فارس:

    (وَسَلَ) الواو والسين واللام: كلمتان متباينتان جدّاً.

    الأولى الرَّغبةُ والطلب. يقال وَسَلَ، إذا رغِب. والواسِل: الراغب إلى الله عز وجل، وهو في قول لبيد:

* بلى كلُّ ذي دينٍ إلى اللهِ واسلُ *

ومن ذلك القياس الوسيلة.

    والأُخرى السَّرِقَة. يقال: أَخَذَ إِبِلَه توَسُّلاً.

    [معجم مقاييس اللغة 6/110].

    وقال الراغبُ الأصفهانِيُّ:

    الوسيلةُ: التوصل إلى الشيء برغبة وهي أخصُّ من الوصيلة؛ لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى ] وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيْلَةَ [ .

    [سورة المائدة ، الآية 35].

    وقال الجوهريُّ:

    الوسيلةُ: ما يُتقرّبُ به إلى الغير، والجمعُ الوَسِيْلُ والوَسَائِلُ، والتوسِيلُ والتَوَسُّلُ واحد. يقال: وسَّلَ فلانٌ إلى ربِّه وسيلَةً، وتوسَّلَ إليه بوسيلة، أي تقرّب إليه بعمل.

    [الصحاح ، مادة وسل 5/1841].

    وقال الكرميُّ:

    وسَلَ يَسِلُ وَسْلاً ووَسِيلَة: الرجل إلى الأمير اتصل به بوسيلة ما. ووسل الرجل إلى الله تقرَّب إليه بوسيلة كالعبادة والقربان. ووَسَل الشيء إلى الأمير كان واسِلة إليه.

    تَوَسَّل يَتَوَسَّلُ تَوَسُّلاً: الرجل إلى الأمير اتصل به بوسيلة ما. وَتَوَسَّل الرجل إلى ربِّه تقرَّب منه بوسيلة كالعبادة والتقوى. وتَوَسَّل الرجل إلى الأمير تقرَّب إليه في طلبه بوسيلة كالقرابة أو الحرمة أو العهد يريد أن يستميله، أو يستعطفه. وتَوَسَّل إليه تضرَّع كما في الاستعمال الحديث.

    واسِلَة: الواسِلة هو ما يُتَقَرّب به من عبادة، أو صِلَةِ قرابة، أو صلة رحم، فهي لها منزلة وحرمة عند الله أو الأمير. والجمع وسائل.

    وسِيلَة: الوَسِيلَة إلى الشيء واسطة إليه يُصَل إليه عن طريقها؛ كالوسيلة إلى الأمير، وقد تكون الوسيلة شخصاً وسيطاً، أو عملاً يكون فيه تقرّب. ويقال: اتّخذ هذه الحجَّة وسيلة إلى غرضه، أي باباً يصل منه إلى غرضه. والجمع وسائل، ومنه وسائل الإعلام كالجرائد والراديو والتلفزيون. ووسائل التعليم هي ما يساعد على التعليم. ويقال: يجب استعمال الوسائل المناسبة لهذا الغرض. ويقال: من لي بوسيلة إلى الحاكم ؟

    [الهادي إلى لغة العرب 4/487].

    وقال ابن منظور:

    الوسيلةُ: الْمَنْزِلَة عند الْمَلِك. والوَسِيلة: الدَّرَجة. والوَسِيلة: القُرْبة. ووَسَّل فلانٌ إلى الله وسِيلةً إذا عَمِل عملاً تقرَّب به إليه. والواسِل: الراغبُ إلى الله، وتوَسَّل إليه بوسيلةٍ إذا تقرَّب إليه بعَمَل. وتوسَّل إليه بكذا: تقرَّب إليه بِحُرْمَةِ آصِرةٍ تُعْطِفه عليه. والوسيلة: الوُصْلة والقُرْبى، وجمعها الوسائل.

    [لسان العرب ، مادة وسل 11/724].

    من كلام أهل اللغة السابق يظهر الآتي:

    الوسيلة والواسلة: ((ما يُتوصل به إلى الشيء برغبة)).

    والواسل: ((الراغب إلى الله تعالى، المتقرب إليه بالعمل الصالح)).

    والتوسل: ((التوصل إلى مقصد مرغوب)).

    وتعريف الدّعوة:

    قال ابن فارس:

    (دعو) الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تُميل الشيء إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك.

    تقول: دعوت أدعو دعاء.

    وداعية اللبن: ما يُترك في الضرع ليدعو ما بعده.

    [معجم مقاييس اللغة لابن فارس 2/279].

    وقال الكرميُّ:

    دَعا يَدْعُو دَعْواً ودُعاءً ودَعْوى: الرجل ربّه، ابتهل إليه وسأله ... ودعا الرجلُ القومَ إلى الطعام، سألهم أن يأتوا إلى بيته للطعام.

    ويقال في التصريف: أنا دعوتُ وهما دَعَوَا وهم دَعَوْا وهنّ دَعَوْن، وأنا أدعو، وهم يَدْعُون وهنّ يَدْعُون، وأنتِ تَدْعِين وَتَدْعُوِين وتَدْعُيْن، وأنتن تَدْعُون مثل أنتم تدعون.

    ودعا إلى الشيء حثَّه على قصده، ومنه في القرآن الكريم ] قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ .

    [سورة يوسف، الآية 33].

    وداعٍ والدَّاعِي: هو الذي يدعو، والجمع دعاة. والدَّاعي هو الذي يدعو النّاس إلى دينٍ، أو مذهب، والدّاعي هو المؤذن؛ لأنّه يدعو النّاس إلى الصلاة.

    [وتلحق الهاء بالداعي للمبالغة، فيقال لمن عُرف بالدعوة: داعية].

    وداعي الله: لقب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ومنه في القرآن الكريم ] أجيبوا داعي الله [ .

    [سورة الأحقاف، الآية 31].

    والداعية: مؤنث الداعي، والجمع داعيات ودواعٍ، والداعية: شيء يبعث في النّفس الحركة والتهيج؛ كاللمس والتقبيل.

    والدعوة: هي ما يدعو الإنسانُ إليه من فكرة سياسية، أو مذهب، والجمع دعوات. 

    [الهادي إلى لغة العرب للكرمي 2/39-41].

    ومن كلام أهل اللغة الذي نقلناه يظهر لنا أنّ معنى الدعوة في اللغة: إمالة المتكلمِ النّاسَ إلى نفسِه، أو إلى فكره بكلامه، أو فعله.

    أمّا تعريف الدعوة في الاصطلاح:

    فاختلف المؤلفون في علم الدعوة فيه بناء على نظرتهم إلى الدعوة، هل هي قاصرة على الفكرة التي يدعو الداعي النّاسَ إليها، والأساليب والوسائل المستخدمة فقط، أو يدخل فيها سلوك والتزام الداعي بما يدعو إليه، أو يدخل فيها ما وراءه من تربية وتزكية، ثم ما يعقب ذلك من عمل بما يدعو إليه ؟

    الظاهر –والله أعلم- أنّ الدّعوة من حيث هي دعوة لا تشمل إلاّ دعوة النّاس إلى الإسلام بالأساليب والوسائل المأذون بها شرعاً فقط، مع الأخذ في عين الاعتبار أنّ سلوك الداعية والتزامه الشرع، وتربية المدعوين على ذلك، وتزكية نفوسهم، وعمله بما يدعو إليه، كلُّ ذلك من مستلزمات ومقتضيات الدعوة.

    وأرى أنّ التعريف المختار للدعوة من حيث هي دعوة:

    ((تبليغ الإسلام إلى النّاس كافّة، وحثّهم على الدخول فيه، أو التزامه؛ من خلال الأساليب والوسائل المأذون بها شرعاً،)).

    قال الله تعالى:

    ] اُدْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ .

    [سورة النحل، الآية 125].

    وإذا ضممنا إلى الدعوة سلوك والتزام الداعية، وتربيته وتزكيته المدعوين، وتوجيههم للعمل به، يكون التعريف المختار للدعوة:

    ((تبليغ الإسلام إلى النَّاس كافَّة، وحثّهم على الدخول فيه، أو التزامه، وتعليمهم إيّاه، وتربيتهم على معانيه، من خلال الأساليب والوسائل المأذون بها شرعاً، والتزام ذلك في حياة الداعي والمدعو)).

    قال الله سبحانه وتعالى:

    ] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُواْ مِنْ قَبْلُ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ [ .

    [سورة الجمعة ، الآية 2].

    و((الوسائلُ الدعويَّة)) هي الأمورُ الحسيّةُ والمعنويّةُ التي يُتوصَّل بها إلى تبليغِ الإسلامِ إلى المدعوين.

 

ثالثاً: أركان التوسل:

 

    ومما سبق ذكره في معنى التوسل، يظهر لنا أنَّ له أركاناً أربعة؛ وهي:

    1-مُتَوَسِّل: وهو الفاعل للتوسل ليصل إلى مقصده.

    2-وتَوَسُّل: وهو الفعل الذي يباشره المتوسل ليصل إلى قصده.

    3-مُتَوَسَّل به: وهو الوسيلة الموصلة للقصد.

    4-ومُتَوَسَّل إليه: وهو المقصد.

    فالداعية الذي يلقي خطبةً -مثلاً- متوسل، وإلقاؤه للخطبة توسل، والمتوسل به هو الخطبة، والمتوسل إليه هو التأثير في لمستمع الخطبة.

 

رابعاً: طرق معرفة الوسائل الدعوية:

 

    لمعرفةِ الوسائلِ الدَّعويَّةِ ثلاث طرقٌ بيَّنها أهلُ العلمِ –رحمهم الله-؛ وهي:

    1-النَّص: في الكتابِ، أو السنَّة، فَحَالَ ورودِ النَّصِ على كونِ أمرٍ معينٍ وسيلةً إلى مقصودٍ شرعيٍّ، فقد ثَبَتَتْ به أنَّها وسيلةٌ شرعيَّة.

    قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَة)).

    [رواه الإمام أحمد، والترمذي: كتاب الفتن/باب ما جاء في لزوم الجماعة، وقال: حديث حسن صحيح غريب].          

    فجعل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التزام الجماعة والبعد عن أسباب الفرقة سبباً لسكنى وسط وخيار الجنّة.

    2-النَّظر الصحيح: فقد يدرك الإنسانُ من خلاله أنَّ أمراً ما وسيلةٌ إلى بلوغِ غايةٍ معيّنة.

    3-التجرِبة: وهي اختبارُ عملٍ لمعرفةِ نتائجه، وإدراكِ ثمراتِه، ومن خلال التجرِبَةِ تظهر صلاحيةُ الأمرِ المجرَّبِ لأن يكون وسيلةً تُوصِلُ إلى المقصودِ أم لا.

    والوسائلُ التي تُعْرَفُ من خلالِ النَّظَرِ الصحيحِ والتجرِبَةِ يُشْتَرَطُ فيها أن تكون منضبطةً بالضوابطِ الشرعيَّةِ التي سيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

 

    خامساً: أقسام الوسائلِ الدَّعويَّة:

 

    الوسائل الدَّعويَّةُ ثلاثةُ أقسام:

    1-وسائلُ دعويَّةٌ معتبرةٌ شرعاً: وهي الوسائلُ الدَّعويَّةُ التي ورد نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ باعتبارها؛ كخطبةِ الجمعة، والتعليمِ في المساجد، والوعظ.

    فهذه الوسائلُ الدَّعويَّةُ باشرها رسول الله e والأمَّةُ من بعده.

    2-ووسائل دعويَّةٌ ملغاةٌ شرعاً: وهي الوسائلُ الدَّعويَّةُ التي ورد نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ بإلغائها؛ كالكذبِ في الدَّعوة.

    3-ووسائلُ دعويَّةٌ مسكوت عنها: وهي الوسائلُ الدَّعويَّةُ التي لم يرد نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ باعتبارها، أو إلغائها.

    وهي أكثر الوسائل الدَّعويَّة التي يستعملها الدُّعاة.

    وقد تعددت الوسائل الدَّعويَّةُ في هذا الزمن، وكثرتْ وتنوعتْ حتَّى أصبح تصنيفُها باباً من أبواب التَّعَرُّفِ عليها لكثرتها.

    وهذا التنوعُ في الوسائلِ جعلها محطَّ اهتمام العقلاء، وأصبح التعامل معها انتفاعاً ودفعاً وتحذيراً أمراً لا مناص منه ولا محيد عنه، لذا كان لزاماً على الداعيةِ إلى الله تعالى أن يتعرف عليها، وينتفع بما يمكنه الانتفاعُ به منها، ويدفعَ ما يمكنه دفعه، وهذا الموقف منه دليل وعي وإدراكٍ وفطنة.

    قال الله تعالى:

    ] يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيْلَةَ [ .

    [سورة المائدة ، الآية 35].

    والدُّعاةُ إلى اللهِ تعالى أولى النَّاسِ انتفاعاً بالوسائلِ الدَّعويّة، لكونهم أعلمَ النّاسِ بضرورةِ التمشي مع سننِ اللهِ تعالى الكونيّة، حيث جعل اللهُ تعالى الهدايةَ –أعني هدايةَ الدَّلالة– متوقفةً على تبليغِ الدُّعاةِ لدينه، والتبليغُ لا يكون إلاّ من خلالِ الوسائل، وما لا يتم الواجبُ إلاّ به فهو واجب.

    قال سماحةُ الشيخُ عبدُ العزيز بنُ باز –رحمه اللهُ تعالى-: وفي وقتِنا اليومَ قد يسَّرَ اللهُ عز وجل أَمْرَ الدعوةِ أكثرَ بطرقٍ لم تحصلْ لمن قبلنا، فأمورُ الدعوةِ اليومَ متيسرةٌ أكثرَ مِنْ طرقٍ كثيرة، وإقامةُ الحجَّةِ على النَّاسِ اليومَ ممكنةٌ بطرقٍ متنوعة؛ عن طريقِ الإذاعةِ، وعن طريقِ التلفزةِ، وعن طريقِ الصحافةِ، من طرقٍ شتى.ا.هـ.

    [الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص 14].

 

الوسائل الدعوية اجتهادية:

 

    ظهر جدل في هذا الزمن –لما كثرت وسائل الدعوة وتنوعت وتجددت– حول هذه الوسائل؛ هل هي توقيفيّةٌ أم اجتهادية ؟

    ومن أظهر ما اعترض به من يرى الوسائل توقيفيّة أمور؛ منها:

    1-عموم الأدلة الدالة على كمال الشريعة، والتي تحذر من محدثات الأمور، والوسائل من أمور الشرع التي لا يجوز الزيادة فيها.

    2-شدّة إنكار السلف لأيّ وسيلة محدثة ولو كانت نافعة.

    3-أنّ إحداث الوسائل في الشرع فيه اقتداء بالصوفية الذين هم سلف المنادين بإحداث الوسائل.

    4-لا تعارض بين القول بتوقيفية الوسائل وبين استخدام الوسائل الحديثة من آلات التقنية بشرط ألا تكون ممنوعة شرعاً.

    [انظر رسالة ((الحجج القوية على أنّ وسائل الدعوة توقيفية)) للدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم].

    والذي يظهر –والله أعلم- أنّ الخلف يسير في هذا الباب، وذلك لأمور؛ منها:

    1-أنّ الجميع يتفق على أنّه لا يجوز لمسلم، فضلاً عن الدَّاعية، أن يأخذ حكمَ الوسيلةِ من غير الشرع.

    2-والجميع يتفق على أنّ المكلف لا يجوز له مباشرةُ وسيلةٍ حتى يعرف حكمها الشرعي المأخوذَ من النصوصِ الشرعيَّةِ الخاصةِ أو العامَّة، أو القواعدِ الشرعيَّة.

    3-والجميع يتفق على أنّ الوسيلة لا بدّ أن تكون منضبطةً بحكم الشرع، فلا يجوز لمسلمٍ الخروجُ على حكمِ الشرعِ في أي أمر من الأمور.

    4-والجميع يتفق أنّ الوسائل التي هي من جنس العبادات لا يجوز استخدامها إلاّ إذا ورد نصٌّ خاصٌّ باستخدامها.

    والذي يظهر أنَّ جوانبَ الاتفاقِ في هذا البابِ تقع في الدائرةِ الأوسع، وأنّ الوسائلُ التي هي من جنسِ العاداتِ والمعاملاتِ فلا تحتاج إلى نصٍّ خاصٍّ بها، بل تكفي فيها الأدلةُ والقواعدُ الشرعيّةُ العامّة.

    قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ -رحمه الله تعالى-: باستقراءِ أصولِ الشريعةِ نعلمُ أنّ العباداتِ التي أوجبها الله، أو أحبّها لا يثبتُ الأمرُ بها إلاّ بالشرع، وأمَّا العاداتُ؛ فهي ما اعتاده النّاسُ في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصلُ فيه عدمُ الحظر، فلا يُحْظَرُ منه إلاّ ما حظره اللهُ سبحانه وتعالى... وهذه قاعدة عظيمة نافعة.ا.هـ.

    [مجموع الفتاوى 29/16-18].

    وبهذا يظهر أنّ الوسائلَ الدعويّةَ التي ليست من بابِ العباداتِ لا حظر فيها، ولا تحتاج إلى نصٍّ خاصٍّ بها؛ كالمخيماتِ، والمعارضِ، والدوراتِ العلميّةِ، والمحاضراتِ، والأشرطةِ، والإذاعة.

    قال العلاّمة الشاطبيُّ –رحمه الله تعالى-: والتبليغُ كما أنّه لا يتقيد بكيفيّةٍ معلومةٍ، لأنّه من قبيل المعقولِ معنىً، فيصح بأيِّ شيءٍ أمكنَ من الحفظِ والتلقينِ والكتابةِ وغيرِها، كذلك لا يتقيدُ حفظُه عن التحريفِ والزيغِ بكيفيّةٍ دون أخرى إذا لم يَعُدْ على الأصلِ بالإبطال؛ كمسألةِ المصحف، ولذا أجمع عليه السلف الصالح.اهـ.

    [الاعتصام 1/238].

    والذي عليه كبار علمائنا؛ ومنهم سماحةُ الشيخ عبد العزيز بن باز وسماحة الشيخ محمد العثيمين أنّ وسائل الدعوة –بهذا المفهوم- ليست توقيفيّة.

    وفي خطبة للعلاّمةِ عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله تعالى– يحثّ فيها المسلمين على الجهاد، وعلى استعمال جميع الوسائل الممكنة للإعداد له والقيام به، يقول: فقد أمر الله رسولَه بالجهادِ في نصوص كثيرة، ورتّب عليه خيراتٍ وأجوراً غزيرة، وما لا يتم المأمور به من وسائله فهو داخلٌ في المأمور، ومترتبٌ عليه ما فيه من الخيراتِ والأجور، لا يقوم الجهادُ إلاّ بتعلم العلوم الحربيّة، والتفننِ بالفنون العسكريّة، والتدريبِ على القوة والشجاعة، والحزمِ في الأمور وعدمِ الإضاعة، قال الله تعالى ] وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِيْنَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهًُمْ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [ [سورة الأنفال ، الآية 60]. ... يا عجباً لنا معشر المسلمين، كيف أهملنا هذا الأصلَ العظيمَ من أصولِ ديننا، وكيف ضيعنا هذا الفرضَ الذي لا تستقيم الأمور إلاّ به ؟ تجدنا لا نحسن الرمي والركوبَ ولا فنونَ الجهاد، وليس عندنا اهتمامٌ بتنظيمِ الجيوشِ التي تحمي الدينَ والبلاد، بهذا يقعُ التخاذلُ والضعفُ والهوان، وبهذا يتسلط علينا الأعداءُ من كلِّ مكان ... فعلى المسلمين أن يتوبوا إلى ربِّهم، ويستدركوا أمرهم، ويستعدوا لعدوهم بكلِّ ما استطاعوا من قوةٍ ماديّةٍ وقوةٍ معنويّة.

    [ابن سعدي : المجموعة الكاملة 6/32].

    ولما استُعملت مكبراتُ الصوتِ في المساجدِ استنكر بعضُ النَّاسِ هذه الوسيلةَ لكونها ليست مما كان على عهدِ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسلفِ الصالح، خطب رحمه الله تعالى خطبةً قال فيها: اعلموا أنَّ الله أمر بتبليغ الدين، ويسر كلَّ سببٍ يوضِّحُ الحقَّ ويَبِين، فكما أنّ الأسـلحةَ القويّةَ العصـريّةَ والعنايةَ بها داخـلٌ في قوله تعالى ] وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ [سورة الأنفال، الآية 60]. واستعمالَ الوقاياتِ والتحصيناتِ عن الأسلحةِ الفتّاكةِ، داخلٌ في قوله تعالى  ] وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ [ [سورة النساء ، الآية 102]. والقدرةَ على المراكبِ البحريّةِ والجويّةِ والهوائيّةِ، داخلٌ في قوله تعالى ] وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً  [ [سورة آل عمران ، الآية 97] وجميعَ ذلك داخلٌ في الأوامرِ بأخذِ جميعِ وسائلِ القوةِ والجهاد، فكذلك إيصالُ الأصواتِ والمقالاتِ النافعةِ إلى الأمكنةِ البعيدةِ؛ من برقياتٍ، وتليفوناتٍ، وغيرِها، داخلٌ في أمر الله ورسولِه بتبليغ الحقِّ إلى الخلق، فإنَّ إيصالَ الحقِّ والكلامِ النّافعِ بالوسائلِ المتنوعةِ من نِعَم الله، وترقيةَ الصنائعِ والمخترعاتِ لتحصيلِ المصالحِ الدينيّةِ والدنيويّةِ من الجهادِ في سبيل الله.

    [ابن سعدي : المجموعة الكاملة 6/54].

    وقال –رحمه الله تعالى-: الوسائلُ لها أحكام المقاصد: فما لا يتم الواجبُ إلاّ به فهو واجب، وما لا يتمُّ المسنونُ إلاّ به فهو مسنون، وطرقُ الحرامِ والمكروهاتِ تابعةٌ لها، ووسيلةُ المباحِ مباحة، ويتفرع عليها أنّ توابعَ الأعمالِ ومُكَمِّلاَتِهَا تابعةٌ لها... ومعنى الوسائل: الطرقُ التي يُسلكُ منها إلى الشيء، والأمورُ التي تتوقف الأحكامُ عليها من لوازم وشروط، فإذا أمر الله ورسولُه بشيءٍ كان أمراً به، وبما لا يتم إلاّ به. وكان أمراً بالإتيان بجميع شروطه الشرعيّةِ والعاديّةِ والمعنويّةِ والحسيّة، فإنّ الذي شَرَعَ الأحكامَ عليمٌ حكيمٌ يعلم ما يترتب على ما حَكَمَ به على عباده من لوازم وشروطٍ ومتممات، فالأمر بالشيء أمرٌ به، وبما لا يتم إلاّ به، والنَّهيُ عن الشيء نهيٌ عنه وعن كلِّ ما يؤدي إليه.

    [ابن سعدي : المجموعة الكاملة 4/25].

 

الوسائل الدعوية المختلف فيها:

 

    لكن ماذا لو كانت الوسيلة من الأمور التي اختلف أهل العلم في حكمها بين مبيح وبين حاظر ؟

    هذه الوسائل التي اختلف أهل العلم فيها، ينظر في الداعيةِ المتوصلِ بها إلى دعوته، هل هو ممن بلغ رتبةً الاجتهاد، أم أنّه دون ذلك ؟

    فإن كان قد بلغ رتبة الاجتهاد التي يستطيع بها أن يرجح قولاً على قول، مستنداً في ذلك إلى الأدلَّة الشرعيّة والأصول والقواعد الفقهيّة، إن كان كذلك وأدَّاه نظرُه إلى حكمٍ فيها، عَمِلَ به، إلاّ إن خشي أن تترتب على حكمه هذا مفسدة، فعليه أن يراعيها؛ لأنّ درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.

    وإن لم يكن الداعيةُ قد بلغ هذه الرتبة، فليسأل أهل العلم والتّقوى الذين يثق بعلمهم ودينهم، ثم يأخذ بما أفتوه به من حكم في مسألته.

    لكن على الدَّاعية إلى الله تعالى أن يراعي أموراً إذا كانت الوسيلة مما اختلفت فيها أنظار أهل العلم؛ وهي:

    1-أن يعلم أنّ سبيلَ أهلِ الورعِ الترفعِ عن الشبهات، فَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: ((إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُه)).

    [متفق عليه : رواه البخاري : كتاب الإيمان / باب فضل من استبرأ لدينه ، ومسلم : كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات]. 

    2-إنْ كانت هذه الوسيلةُ -الْمُخْتَلَفُ فيها– يراها مباحةً، وهناك من الوسائل غيرُ الْمُخْتَلَفِ فيها يمكن أن تؤدي الغرض، فليبتعد عن الوسيلة المختلف فيها، وليأت المتفق عليها.

    3-عليه أن يعلم أنّه إن رأى وسيلة من الوسائل محرمة رآها غيره مباحة، لا بالتشهي، ولكن بناء على اجتهاد معتبر من العالم، فإنّه لا يثرب على من رأى الإباحة؛ لأنّ كلا القولين بُني على اجتهاد معتبر، كما لو رآها مباحةً ورآها غيرُه محرمة، فإنّه لا يثرب عليه، أمّا إن كان من أهل العلم والذي يرى الإباحة كذلك فلا مانع من مناقشة رأي غيره للتوصل إلى اتفاق، وإلا ففي الأمر سعة. والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نموذج تطبيقي على

وسيلةٍ دعويَّةٍ مختلَفٍ فيها

(( التمثيل في المجال الدعويّ ))

 

    التمثيلُ:

    المحاكاة، يقال: حكيتُ، وأحكيه حكايةً، إذا أتيتَ بمثلِهِ على الصفةِ التي أتى بها غيرُكَ فَأنتَ كالناقلِ عنه.

    وتعريف التمثيل اضطلاحاً:

    أفعالٌ وأقوالٌ مصطنعة تصدرُ من شخصٍ بقصد التأثيرِ على المستمعين والمشاهدين.

    أصل التمثيل:

    ابتداعٌ تعبديٌّ عند الرومانِ واليونانِ والفرس، ثم النَّصارى، ثم توسعت فيه المدنيةُ الغربيَّةُ حتَّى أصبح بعضُه دينىٌّ وبعضُه دنيوي.

وفي القرن الماضي تسرَّب التمثيلُ إلى بلادِ المسلمين عن طريقِ رجلٍ نصرانيٍّ يُدعى مارون النَّقَّاش، واعترض على بدعتِه هذه علماءُ الشام، وشكوه إلى الإستانة، فجاء الأمرُ بمنعه، وبعد أربع سنين انتقل إلى مصر ومعه فرقتُه واشتُهر هناك وذاع صيته وتوسع في عمله.

    ثم استُخدم التمثيل من قِبَلِ بعضِ الجماعاتِ الإسلاميَّةِ على أنَّه وسيلةٌ دعويَّةٌ تزاحم التمثيلَ الدنيويّ الذي أقبل النَّاسُ على مشاهدتِهِ، وظهر تأثرُهم به.

    والتمثيلُ –الآنَ- فنٌّ من الفنون المعاصرة؛ له أصولُه وقواعده، ومدارسُه ونواديه، ونجومُه والمشاهدون له، ووسائلُ بثّه المتنوعة.

    والتمثيلُ من الوسائلِ الدَّعويَّةِ التي كثرُ الكلامُ حولها، واختلفت وجهاتُ النَّظر فيها؛ فمن قائلٍ:

    1-بأنَّ التمثيلَ حرامٌ أصلاً في العاداتِ وفي العبادات.

    2-ومن قائلٍ إنَّ أصله الإباحة في العادات، والحكم عليه بحسب موضوعه وما يحفّه من محرمات.

    ونحن هنا –إن شاء اللهُ تعالى- نورد أهم الأدلَّة التي استدلّ بها الفريقان في حكم التمثيل باختصار حتَّى يتضح أنَّ لكلِّ فريقٍ وجهةُ نظرٍ مقدَّرة، والأمر مما يحتمل أن تتجاذبُه الآراءُ المختلفة.

    أدلّة المجيزين للتمثيل:

    1-البراءةُ الأصليَّة:

        وهو أنَّ الأصل في الأشياءِ الإباحة، ولا يوجد دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في تحريمِ التمثيل.

    وردَّ عليهم الذين يرون تحريمَ التمثيل بأنَّ البراءةَ الأصليَّةَ لا تُستصحبُ إلاَّ في حالِ عدمِ وجودِ نصِّ ، أو قاعدةٍ شرعيَّةٍ تمنع الفعل، وعددٌ من القواعدِ الشرعيَّةِ تمنع التمثيلَ كما سيأتي بيانه.

    2-وسائل الدَّعوة غيرُ توقيفيَّة:

        والتمثيلُ منها، فلا وجه لمطالبتنا بدليل على جواز استعمالها في الدَّعوة إلى الله تعالى.

    وردَّ عليهم المانعون للتمثلِ: بأنَّ كونَ الوسائلِ توقيفيَّةً، أو غيرَ توقيفيَّةٍ ليس مدارَ حديثنا، لأنَّ الجميعَ متفقٌ على أنَّ هناك من الوسائلِ ما يمنع الشرعُ منها إذا كانت في أصلها ملغاةً، أو في أصلها مباحةً لكن لا تنفكُّ عمَّا يَحفُّها من أمورٍ محرمة، والتمثيلُ منها.

    3-القياس:

        وذلك أنَّ هناك أحداثاً كثيرةً في الكتابِ والسنَّة تدلّ على تعاطي التمثيل وعدم الإنكار على متعاطيه.

    ثمَّ حكموا على كلِّ قصةٍ فيها توريةٌ، أو تعريضٌ، أو تعليمٌ، أو روايةٌ لأمرٍ على أنَّها تمثيليَّة.

    [حكم التمثيل في الدعوة إلى الله ص 11-31].

     ومن ذلك:

        أولاً: ظهور جبريل عليه السلام في صورةِ أعرابيٍّ، أو صورةِ دِحيةَ الكلبيِّ رضي الله عنه وهذا تمثيل لدور دحية، ودور الأعرابيّ.

    وقد أجاب المانعون عن هذا الاستدلال بقولهم: تشكّلُ الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ في صورٍ متعددةٍ؛ مثل: صورةِ الأقرعِ والأبرصِ والأعمى، وفي صورةِ الأعرابيِّ، وغيرها من الصور لا يدلُّ على جوازِ التمثيل، ومحاكاةِ الآخرين؛ لأمورٍ عدَّة؛ فمنها:

    (1)أنَّ الجميعَ متفقٌ على منع تمثيلِ الملائكةِ عليهمُ السَّلام، فيكون القياسُ هاهنا قياساً فاسداً لا يصح.

    (2)الجميع متفقٌ على أنَّ عالمَ الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ عالمٌ غيبيّ، وعالمنا عالمُ شهادة، فلا يصح قياس عالمِ الشهادةِ بعالم الغيب.

    (3)تشكّلُ هؤلاء الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ كان بأمرٍ من اللهِ تعالى الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، واللهُ عز وجل لم يأمرنا، ولم يأذن لنا بذلك.

    (4)تشكُّلُ الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ تشكُّلٌ حقيقيٌّ بحيثُ ينقلبُ أحدُهم بأمر اللهِ من قالبِه الملائِكيِّ الذي خلقه اللهُ عليه إلى قالبِ آدميّ، وليس تشكلاً وهمياً مصطنعاً كما يفعله الممثل، فإنَّ تشكّلَ الممثلِ مكشوفٌ محدود، لذا لا يصحُّ قياسُ هذا على هذا.

        ثانياً: استدل المبيحون بمناظرةِ إبراهيم عليه السلام لقومه حيث أظهر لهم عدم معرفته لربِّه، فلعله يكون الكوكب، أو القمر، أو الشمس، وهذا تمثيل !

    وقد ردَّ عليهم المانعون: بأنَّ هذا ليس من التمثيلِ في شيء، إنَّما هو من باب التنزل في المناظرة، فهو يقول لهم: دعوني أقول كما تقولون: إنَّ الكوكب الذي في السماء هو ربِّي، ولننظر ما يحمله هذا الكوكب من خصالِ الربُّوبيَّة، وانتظر معهم حتَّى أفل الكوكب، وكذا مع القمرِ والشمس، ثم قال لهم بعد ذلك: إنَّ الكوكب والقمر والشمس لا تصلحُ لأنْ تكون الربّ الذي يُعبد لأنَّها أفلت، والربُّ لا يمكن أن يكون كذلك.

    فأين هذا القولُ من التمثيل ؟

        ثالثاً: تكسيرُه عليه السلام الأصنام، وإسناده التكسيرَ إلى كبيرِهم، فقال ] بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا [ [سورة الأنبياء ، الآية 63]. فهذا تمثيل !

    وقد ردَّ المانعون بأنَّ هذا من أبعد الأدلَّة، وذلك أنَّ معنى قوله ] بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا [ أي إنَّ الذي تسبب في تكسيرِ جميعِ الأصنامِ هو كبيرهم هذا الذي يغيظون به كلَّ موحدٍ بنصبِه وعبادتِه من دون الله، فنصبكم لهذا الصنم الكبير هو الذي جعلني لا أصبر على الأصنام فقمت بتكسيرها، فهو المتسببُ الرئيسُ في تكسيرِ الأصنام.

    رابعاً: ضربُ الأمثال: وهذا كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة ، والتمثيلُ شبيه به.

    وقد ردَّ عليهم المانعون بردودٍ؛ فمنها:

    (1)أنَّ ضربَ الأمثالِ في الكتابِ والسنَّةِ قولٌ لا تلبيسَ ولا تمويه فيه، إنَّما هو من بابِ التشبيهِ الذي يراد منه تقريبُ المعنى إلى الأذهان، أمَّا التمثيلُ فهو أقوالٌ وأفعالٌ تُمارسها ذواتُ الممثلين، فثبت بهذا فسادُ هذا القياس لقيامِ الفارقِ الظاهرِ بين المقيسِ والمقيسِ عليه.

    (2)الأمثالُ المضروبةُ في الكتابِ والسنَّةِ يُبَيَّنُ فيها أنَّ القولَ من بابِ ضربِ الأمثال، وذلك بذكر التشبيه على حقيقته، فيُبَيِّنُ ضاربُ المثلِ حقيقةَ المشبَّهِ والْمُشَبَّهِ به حتَّى يتَّضِحَ وجه الشَّبهِ فينتفع المستمعُ من هذا التشبيه، أمَّا الممثلُ فلا يُسمى عملُه تشبيهاً بل هو تقليدٌ صِرف، يسعى فيه الممثلُ جاهداً لطمسِ التشبيه حتَّى لا تفسدَ عليه تمثيليته، ويجعلُ فعلَه لا يعدو أن يكون تقليداً لشخصٍ ما، يتقمصُ شخصيّتَه، ويجهد في محاكاتِه في هيئتِه ولباسِه، وكلامِه وأفعالِه، لذلك فلا صحةَ لقياسِ ضربِ الأمثالِ بالتمثيل، والقياس على هذا فاسد.

    (3)أنَّ ضربَ الأمثالِ في الكتابِ والسنَّةِ يدخل فيه ضربُ الأمثالِ بحقيقةِ الآخرة، والملائكةِ، والأنبياءِ عليهمُ السَّلام، وهذا ممنوعٌ عند الجميع، فدلَّ على أنَّ جوازَ ضربِ الأمثالِ غيرُ مسألةِ التمثيلِ التي نحن بصددِها. 

    وبعد أنْ ذكرنا أهمَّ ما استدلَّ به المبيحون للتمثيل لنذكر أدلَّةَ المحرمين له.     

    أدلَّة المحرمين للتمثيل:

        1-التمثيل كذب:

        وذلك أنَّه لا يخلو من حالتين:

    الأولى: أن تكون قصةُ التمثيليَّةِ أسطورةً مختلقةً لا حقيقةَ لها .

    الثانية: أن تكون قصةُ التمثيليّةِ حقيقةً وقعت في سالف الدهر، والممثلون يتقمصون شخصياتِ هذه القصةَ ويخرجون على النَّاسِ على أنَّهم أصحابُ تلك القصة.

    وفي كلا الحالتين يكون التمثيلُ كذباً.

    أمَّا في الحالةِ الأولى: وهي أن تكون قصةُ التمثيليَّةِ أسطورةً مختلقةً لا حقيقةَ لها، فهي كذب والكذب محرم، فالقصةُ مختلقة، والممثلون ينسبون أنفسهم وأفعالَهم وصفاتِهم لغيرِهم، إضافةً إلى ما يخلطون به تمثيلَهم من أيمانٍ ومواثيق ووعود، وغيرِ ذلك من أمورٍ غيرِ صحيحة.

    وقد ردَّ عليهم المبيحون: بأنَّهم يفعلون هذا والجمهور الذي يشاهدهم ويسمعهم يعلم أنَّهم يكذبون، وأنَّهم لا يقولون الحقّ، لذلك لا يكون قولهم هذا داخلاً تحت النَّهي لأنَّ المستمعينَ يعلمون أنَّ ما يقومون به ليس بصحيح.

    وأجاب المانعون بقولهم: إنَّ الكذب محرمٌ سواءٌ علم المستمعُ أنَّه كذبٌ أم لم يعلم، ولا يوجد في النصوصِ الشرعيَّةِ ما يُخرج هذا الكذبَ من الكذبِ المحرم. 

    وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ صَرِيْحَ الإِيْمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِزَاحَ وَالْكَذِبَ وَيَدَعَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً)).

    [رواه أبو يعلى من حديث عمر رضي الله عنه] .

    وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا زَعِيْمٌ بِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحاً)). 

    [رواه أبو داود: كتاب الأدب/باب في حسن الخلق].

    وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: والذي لا إله غيرُه، إنَّ الكذبَ لا يصلح في جدٍّ ولا هزل.

    وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة –رحمه الله تعالى– عمَّن يحدِّثُ النَّاسَ بحكاياتٍ كلّها كذب، فقال: أمَّا المتحدث بأحاديثَ مفتعلة، ليُضحك النَّاس، أو لغرضٍ آخر، فإنَّه عاصٍ للهِ ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد روى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِب، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَه)).

    [رواه الإمام أحمد، وأبو داود: كتاب الأدب/باب التشديد في الكذب، والترمذي: كتاب الزهد/باب فيمن تكلم بكلمة ليضحك بها الناس، وقال: هذا حديث حسن].

    وعلى كلِّ حال، ففاعل ذلك مستحقٌّ للعقوبةِ الشرعيّة التي تردعه عن ذلك.

    [مجموع الفتاوى 32/255و256].

    وقال العلامةُ الرَّوْيانيُّ الشافعيُّ –رحمه الله تعالى-: من كذب قصداً رُدَّتْ شهادتُه، وإن لم يضرَّ غيرَه، لأنَّ الكذبَ حرامٌ بكلِّ حال.

    [الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي 2/195].

    وقال الفقيه الشافعيُّ أبو الحسين العمرانيُّ –رحمه الله تعالى-: واللاعبُ بالشطرنج: لقولِ عليٍّ رضي الله عنه: اللاعبُ بالشطرنجِ أكذبُ النَّاس، يقول: قتلت، واللهِ ما قتل !

    [رواه البيهقي 10/212]

     قال الإمامُ الشافعيُّ –رحمه الله تعالى-: ولأنَّه ليس من أفعالِ المروءاتِ والديانات، وإنَّما يفعلُه من لا ديانةَ له. ولأنَّه يأتي بألفاظٍ لا حقيقةَ لها؛ كقوله: شاه مات، وأكلتُ الفرس، وأكلتُ الفيل.

    [البيان للعمراني 13/287].

    الثاني: أن يكون واقعاً مضى، والممثلُ يحاكي أهل القصة، والمحاكاة منهيٌّ عنها بإطلاق كما في حديث أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها، وسيأتي إن شاء الله.

    2-التمثيل بدعة:

        وذلك أنَّ منشأ هذه التمثيليات بدعٌ وطقوسٌ نصرانيَّةٌ يحاكون فيها عيسى عليه السلام وما وقع له مع يهود ، لذلك كان فاعلها وارثاً عنهم بدعتَهم، ومقتبساً من طقوسِهم وشعائِرِهم.

    والمسلمون لم يعرفوا هذه البدعةَ إلاَّ في هذا العصرِ المتأخرِ عن طريقِ الغربيين النَّصارى.

    وقد ردَّ المجيزون بأنَّهم لا يمارسون التمثيلَ على أنَّه عبادة بل يمارسونه للترويح فقط.

    3-التمثيل تشبه بالكفّار:

        لأنّ هذه البدعةَ جاءت من عندهم، وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم؛ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاع، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُم)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ: ((فَمَن؟)).

    [رواه البخاري : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن].

    والتمثيل لم يُعرف إلاّ عن طريق الكفَّار، وقد نهينا عن التشبّه بهم، والنَّهي عن التشبّه بهم أمرٌ بمخالفتِهم، وقد نهى الله تعالى عن الخوض فيما يخوض فيه الكفَّار، فقال تعالى:

    ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [ .

    [سورة الأنعام ، الآية 159].

    وهذا يقتضي البراءة منهم في جميعِ أشيائهم، ومن كان متابعاً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقيقةً كان لازماً عليه أن يتبرأ منهم كتبرئه منهم، ومن كان موافقاً لهم كان مخالفاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدر موافقته لهم.

    وقد ثبت أنَّ التمثيلَ كان عبادةً من عباداتِهم والآن هو من عباداتِهم وعاداتِهم، فعلى المسلم مجانبةُ مشابهتِهم والحرصُ على مخالفتِهم.

    وقد وقع الإجماع على تحريم مشابهةِ أعداءِ الملّةِ والدين، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في محذّراً تحذيراً شديداً من مشابهتهم: ((بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم)).

    [رواه الإمام أحمد].

    قال شيخ الإسلامِ ابنُ تيميَّة –رحمه الله تعالى-:

    وهذا الحديثُ أقلُّ أحوالِهِ أنَّه يقتضي تحريمَ التشبُّه بهم، وإن كان ظاهرُه يقتضي كفر المتشبّه بهم، كما في قوله تعالى ] وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ .

[سورة المائدة ، الآية 51].

    وقال –رحمه الله-:

    وبكلِّ حال: يقتضي تحريمُ التشبُّهِ بعلَّةِ كونه تشبهاً، والتشبُّهُ يعمُّ من فعل الشيءَ لأجل أنَّهم فعلوه، وهذا نادر.

    ومن تَبِعَ غيرَه في فعلٍ لغرضٍ له في ذلك، إذا كان أصلُ الفعلِ مأخوذاً عن ذلك الغير.ا.هـ.

    وقد أجمعَ العلماءُ على تحريمِ مشابهتِهم في عباداتِهم وشعائِرِهم.

    4-التمثيل من اللهو الباطل :

        واللهو الباطلُ واللعب مذموم شرعاً وعقلاً، أمَّا في الشرع فقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَه، وَمُلاَعَبَتُهُ امْرَأَتَه، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِه، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عُلِّمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا)).

    [رواه الإمام أحمد ، وأبوداود : كتاب الجهاد / باب في الرمي] .

    5-منافاةُ التمثيلِ للمروءة:

        والمروءةُ: الحفاظُ على مكارم الأخلاقِ والأفعالِ التي يحبّها اللهُ ويرعاها المسلمون ذووا الاستقامة، والبعدُ عن سفاسفِ الأخلاقِ والأفعَالِ التي لا يرضاها اللهُ والمسلمون ذووا الاستقامة.

    ولأهميّة المروءةِ في حياةِ المسلم كان حفظها من مقاصد الشرع الحنيف، وارتكابُ ما يُسقطها من الأمور المرذولةِ التي تُسقط عدالةَ فاعلها، وتجعلُ شهادته مردودة.

    وقد نصّ الفقهاء –رحمهم اللهُ تعالى- على سقوط شهادة المستهزيءِ، وكثيرِ الدُّعابة، والمتمسخرِ، والمضحك.

    قال العلاّمةُ علاءُ الدّين الحنفيُّ –رحمه الله تعالى– وهو يعدد من تسقط عدالتُه وتردُّ شهادتُه لسقوط مروءتِه:

    وطفيليٌّ ومسخرة.

    [حاشية ابن عابدين 7/147].

    وقال الفقيه الشافعيُّ أبو الحسين العمرانيُّ –رحمه الله تعالى-:

    ومن كان غالبُ أحوالِه تركُ المروءةِ، رُدَّتْ شهادتُه، لأنَّه إذا لم يستحِ من تركِ المروءة، لم يستحِ ممَّا فعل. والدليل عليه قولُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت)).

    [رواه البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء / باب حديث الغار].

    ثم ضرب أمثلةً بمن تُرَدُّ شهادتُهم لتركهم المروءةَ؛ فقال: ومن كان رقَّاصاً، أو قَوَّالاً فقد ترك المروءة .

    [القوال : هو الذي يتغنّى بالموال]            

     واللاعبُ بالشطرنج: لقولِ عليٍّ رضي الله عنه: اللاعبُ بالشطرنجِ أكذبُ النَّاس، يقول: قتلت. واللهِ ما قتل !

    [رواه البيهقي 10/212]

     قال الإمامُ الشافعيُّ –رحمه الله تعالى-:

    ولأنَّه ليس من أفعالِ المروءاتِ والديانات، وإنَّما يفعلُه من لا ديانةَ له. ولأنَّه يأتي بألفاظٍ لا حقيقةَ لها؛ كقوله: شاه مات، وأكلتُ الفرس، وأكلتُ الفيل.

    [البيان للعمراني 13/287].

    وقال الفقيهُ الشافعيّ أبو الحسن الماوردي –رحمه الله تعالى– في بيان أثر التزامِ المروءةِ على العدالةِ، وأثرِ تركِها في إسقاطِها الموجبِ لردِّ شهادته:

    مجانبةُ ما سَخُفَ من الكلامِ المؤذي، أو المضحك، وتركُ ما قَبُحَ من الضحك الذي يلهو به، فمجانبةُ ذلك من المروءةِ التي هي شرطٌ في العدالة، وارتكابُها مُفْضٍ إلى الفسق.

    [الحاوي للماوردي 17/151].

    وقال الإمامُ الموفقُ ابنُ قدامةَ –رحمه الله تعالى-:

    فلا تُقبلُ شهادةُ المصافع، والمتمسخر، والمغني، والرقَّاص، واللاعبِ بالشطرنج... إلخ.

    [المقنع مع الشرح الكبير 29/350و351].

    قال في الشرح الكبير:

    أو يتمسخر بما يُضْحِكُ النَّاسَ به... لأنَّ هذا سخفٌ ودناءة، فمن رضيه لنفسِه واستحسنه، فليستْ له مروءة، ولا تحصلُ الثِّقةُ بقوله.

    [المقنع مع الشرح الكبير 29/351 ، وانظر المغني 14/152].

    وقال العلاّمةُ مرعي بنُ يوسفَ الكرميُّ –رحمه الله تعالى-:

    فلا شهادةَ لمتمسخرٍ ولا لمن يحكي المضحكات، ومُتَزَيِّ بِزِيٍّ يُسْخَرُ منه، وأشباهِ ذلك مما تأنفُ منه أهلُ المروءات.

    [منار السبيل 2/489].

    ولا يشك عاقل، ولا يمتري فاضل في أنَّ كثيراً من التمثيل الذي يُمَارَسُ باسمِ الدعوةِ إلى اللهِ تعالى منافٍ للمروءة، لا يرضاه ذو نفسٍ شريفة ولا همَّةٍ أبيّة حيث يخرجُ بعضُ الممثلين فيه في هيئاتٍ وصورٍ يُزرون من خلالها بأنفسِهم، فيلبسون ثياباً مضحكة، تثيرُ اشمئزاز النَّاظِرِ إليهم، ويتكلمون بلهجاتٍ فيها تكلّفٌ وسوقيَّة، ويتلفظون بألفاظٍ –في بعض الأحيان– لا تليق بمن يحترم نفسه ولا يرضى لها الهوان.

    فمثلُ هؤلاء أقلُّ ما يقال فيهم: إنَّهم يتمسخرون، ويستهزئون، ويجعلون من أنفسهم أُضحوكةً لغيرِهم، وهذه الأفعال باتفاقِ الفقهاء من خوارمِ المروءةِ التي تسقطُ العدالة، وتُرَدُّ بسببها الشهادة.

    قَالَ الْغَزَالِيُّ –رحمه الله تعالى– محذراً من يُكثرُ من المزاح:

    وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مِزَاحِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ حَقّاً، وَلاَ يُؤْذِي قَلْباً، وَلاَ يُفْرِطُ فِيهِ. فَإِنْ كُنْت أَيُّهَا السَّامِعُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَحْيَاناً وَعَلَى النُّدُورِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْك. وَلَكِنْ مِنْ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَّخِذَ الإِنْسَانُ الْمِزَاحَ حِرْفَةً, وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ وَيُفْرِطَ فِيهِ ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِفِعْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الزُّنُوجِ أَبَداً لِيَنْظُرَ إِلَى رَقْصِهِمْ, وَيَتَمَسَّكُ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُون.ا.هـ.

    وقد ردَّ القائلون بجواز التمثيل:

    بأنَّ هذا نوعٌ من أنواعِ التمثيل؛ وهو التمثيلُ الذي يُسَمَّى بالكوميديّ، وليس كلُّ تمثيل كذلك.      

    6-التمثيل سهرٌ في غير طاعة:

        أكثر حفلات التمثيل لا تُقام إلاّ بعد العشاء، وهو وقت نُهي عن الحديث فيه إلاَّ في طاعة، والمجيزون يعترفون أنَّ التمثيلَ ليس من الطاعات.

    فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسلميِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا.

    [متفق عليه : صحيح البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر ، ومسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة / باب استحباب التبكير في الصبح].

    وردَّ المبيحون: بأنّ هذا غير لازم؛ لأنّا لو أقمناه في غير وقت النهي عن السمر فلا تثريب علينا.

    7-في التمثيلِ إضاعةٌ للمال:

        وإضاعة المال هذه في غير وجهها، وقد قال الله تعالى ] إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِين [ .

    ويمكن أن يردَّ المجيزون بأننا لا نعني التمثيل الذي تُنفق من أجله الأموال.

    8-تقليدٌ أناسٍ معينين:

        وقد ورد النَّصُّ بتحريم ذلك.

    فَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا)) قَالَ: تَعْنِي قَصِيرَة، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْه)) قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَاناً، فَقَالَ: ((مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَاناً وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا)).

    [رواه الإمام أحمد، وأبو داود: كتاب الأدب/باب في الغيبة، والترمذي: كتاب صفة القيامة والرقاق والورع/باب منه، وقال: حديث حسن صحيح].

    (وَحَكَيْت لَهُ إِنْسَاناً) أَيْ فَعَلْت مِثْل فِعْله, يُقَالُ: حَكَاهُ وَحَاكَاه.

    (مَا أُحِبّ أَنِّي حَكَيْت إِنْسَاناً): أَيْ مَا يَسُرّنِي أَنْ أَتَحَدَّث بِعَيْبِهِ, أَوْ مَا يَسُرّنِي أَنْ أُحَاكِيه بِأَنْ أَفْعَل مِثْل فِعْله، أَوْ أَقُول مِثْل قَوْله عَلَى وَجْه التَّنْقِيص.

    (وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا): أَيْ وَلَوْ أَعْطَيْت كَذَا وَكَذَا مِنْ الدُّنْيَا أَيْ شَيْئاً كَثِيراً عَلَى ذَلِك.

    وفي التمثيل إهانة لمن يمثلون، ودليل ذلك أنَّهم لا يستطيعون تمثيل ملوكهم وحكامهم، لأنَّهم يعلمون قدر الإهانة التي تلحق الحاكم إذا مثَّله الممثلون، لذلك يتحاشون تمثيله، ويمثلون من يعلمون عدم قدرته على منعهم.

    فقوله: (حكيتُ إنساناً) من المحاكاة؛ وهي التمثيل، أي قلدته في أقواله أوحركاته، وهذه غيبة، وذلك أنَّ الغيبةَ تكون بالأقوالِ والأفعال، بل قد تكون الغيبةُ بذكر الأفعال أشدَّ من الأقوال، لأنَّ النّفوس مجبولةٌ على النّفرة ممن يحاكيها في أفعالها وأقوالها حتَّى في مواطن الحمد، فكيف إذا كان التقليدُ في موطنٍ من مواطنِ الذّم، أو على وجه الاستهزاء كما هو الغالب من حال الممثلين.

    9-تمثيلُ الأنبياء والصالحين:

        يدخل في التمثيل تمثيلُ الأنبياءِ والرسل، والصالحين والفضلاء، وهذا الفعل يدور بين الكفر والفسق.

    وردَّ المجيزون بأننا لا نجيز ذلك.

    10-تمثيلُ الكفرةِ والفسقة:

        يدخل في التمثيل تمثيلُ الكفرةِ والفسقة، وقولُ الكفر والفسوق.

    فيقوم الممثلُ بدورِ الكافرِ والمنافق، وقد يقول كلمة الكفر من أجل أداءِ دورِه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِباً مُتَعَمِّداً فَهُوَ كَمَا قَال)).

    [متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الجنائز/باب ما جاء في قاتل النفس، ومسلم: كتاب الإيمان/باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، والترمذي: كتاب الإيمان والنذور/باب ما جاء في كراهية الحلف بغير ملّة الإسلام].    

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَهُوَ كَمَا حَلَف، إِنْ قَالَ : هُوَ يَهُودِيٌّ فَهُوَ يَهُودِيّ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ نَصْرَنِيّ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلاَمِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلاَم)).

    [رواه أبو يعلى، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد].

    قال المجيزون: نحن لا نجيز ذلك، وليس كلُّ تمثيلٍ فيه تمثيلُ الكفرة.

    11-الاستهزاء بالآخرين:

        ومعلوم أنَّ هذا محرَّم في الدين، وأشدُّ أنواعِه أن يقع الاستهزاء بالصالحين خاصة حين يسعى الممثل لإخراجهم في صورةٍ تزري بهم وبأهل الاستقامةِ بعامَّة.

    قال ابن حجرٍ الهيتمي –رحمه الله تعالى– في بيانه لنواقض الإسلام: ومنها: -أي ومن نواقض الإسلام- لو حضر جماعةٌ، وجلس أحدُهم على مكان رفيع تشبيهاً بالمذكرين، فسألوا المسائل، وهم يضحكون ثم يضربونه بالمجراف.

    أو تشبه بالمعلمين، فأخذ خشبةً، وجلس القومُ حوله كالصبيان، فضحكوا، واستهزؤا... ولا يُغترّ بذلك، وإن فعله أكثر النَّاس، حتَّى من له نسبةٌ إلى العلم، فإنَّه يصير مرتدّاً على قول جماعة، وكفى بهذا خسارةً وتفريطاً.

    [الإعلام بقواطع الإسلام 2/362].

    12-اختلاط النِّساء بالرجال الأجانب:

    يدخل في التمثيل الاختلاط بالنِّساء، وإن تحفظوا في بداية أمرهم فإنَّ مآلهم إلى الوقوع فيه.

    وقد صدرت فتوىً صارخةٌ أباحَ فيها بعضُهم خروجَ المرأةِ أمامَ الرجالِ للتمثيل، واختلاطَ النِّساءِ بالرجال.

    وردَّ المجيزون بأنَّا لا نقول بجواز ذلك. 

    12-من أصول التمثيل مشاركةُ النساء للرجال فيه، ومعلوم ما في ذلك من مفاسد لا تخفى على ذي لبّ، فإن لم تشارك النِّساء قام بعض الرِّجال بتقليدهنّ، وفي هذا دخول تحت دائرة التشبه بهنّ.

    وفي الحديث: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاء، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَال.

    [رواه البخاري : كتاب اللباس / باب المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال].

    قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-: قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى لاَ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّشَبُّه بِالنِّسَاءِ فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَلاَ الْعَكْس. قُلْتُ: وَكَذَا فِي الْكَلاَمِ وَالْمَشْي. وَالْحِكْمَة فِي لَعْن مِنْ تَشَبُّه إِخْرَاجه الشَّيْء عَنْ الصِّفَة الَّتِي وَضَعَهَا عَلَيْهِ أَحْكَم الْحُكَمَاء, وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي لَعْنِ الْوَاصِلاَت بِقَوْلِهِ: ((الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله)).

    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَة، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُل.

 [رواه الإمام أحمد ، وأبو داود : كتاب اللباس / باب في لباس النساء].

    13-تمثيل النساء :

        وعندما رأى بعضُهم أنَّ اختلاط النِّساءِ بهم، وظهورهنَّ أمام الرجال الأجانب لا يُسمح به، أو لا يرضونه هم قام بعضُهم بتمثيل دور النِّساء.

    وقد ردَّ المجيزون بأنَّهم لا يجيزون تمثيلَ الرجلِ للمرأةِ والمرأةِ للرجل.

    14-في التمثيل تقليد للحيوانات:

        وهذا مما أجمع العلماءُ على منعه والتَّحذيرِ منه.

    وردَّ القائلون بالجواز: بأنَّهم لا يجيزون تمثيل الحيوانات.

    15-الأيمان الفاجرة:

        الحلف على بعض الأمور في التمثيل، وهو كذب لا حقيقة له، فيأثم الحالف بيمين غموسٍ تورده نارَ جهنَّم، عياذاً بالله تعالى.

   ضوابط لا بدّ من مراعاتِها لمن أخذ بالقولِ بالجواز:

    اتَّفق الذين ألَّفوا في منع التمثيلِ والذين ألَّفوا في جوازه على هذه الضوابط:

    1-الحذر من الطعن فيمن خالفه الرأي.

    2-البعد عن تمثيل الملائكة، والأنبياء عليهم السلام، والصحابةِ الكرام رضي الله عنهم، والشياطين، والكفَّار، والحيوانات، والمرأة يمثلُها الرجل، والرجلُ تمثله المرأة.

    3-الحذر من تمثيل دور المستهزىء باللهِ، أوكتابِه، أورسولِه، أوآياتِه، أودينِه، أو أهلِ الفضلِ والصلاح، والبعدِ عن الغيبة، وكلِّ كلامٍ فاحش.

    4-الحذرُ من ارتكابِ المحرمِ لإظهارِ صورةِ من يتعاطونه؛ كمن يظهر في صورةِ السكرانِ الذي يهذي، أو الكافِرِ يلبس الذّهبَ، أو الحريرَ، أو الصليبَ، أو يُسْبِلُ ثوبَه ، أو يدخن.

    5-البعد عن تمثيلِ أداءِ الصلاةِ، أو الوضوءِ وهو لا يصلي حقيقةً ولا يتوضأ ففيه مخالفةٌ يُخشى بسببها على دينِ من فعلها.

    6-الابتعادُ عن إظهارِ النِّساء أمامَ الرجال، أو اختلاطِ النِّساءِ بالرجال.

    7-الحذرُ من الإكثارِ منه حتَّى لا يكون مشغلةً عن معالي الأمور، وحتَّى لا يكون سبباً في التوسع في المباحات التي قد تفضي إلى ما لا يكون مباحاً، وحتَّى لا يكون سبباً للبعد عن الجديّة والحزم الذي ينبغي أن يتصف به المسلم.

    8-أن لا يكونَ التمثيلُ سبباً لتبذيرِ الأموال.

 

سادساً: نظرية الغاية تبرر الوسيلة:

 

    نظريَّةٌ معناها: أنَّ الغايات إذا كانت حسنة فلا مانع من أن يكون الوصول إليها بأيَّة وسيلةٍ ممكنة وإن كانت وسيلةً لا يقرُّها شرعٌ ولا خُلُقٌ حميد.

    وقد أظهر هذه النَّظريَّة ودعا إليها رجلٌ إيطاليٌّ اسمه ((نقولا ميكافيليّ ت 1527م)) في كتابٍ سماه ((الأمير)) وضع فيه وصايا للأمير تأمر بالكذب والمراوغة، وفعل كلِّ أمرٍ يراه في مصلحةِ الأمير غير مبالٍ بدين أو خلق.

    وقد قُوبلَ كتابُه بالرفض، وتعالت الصيحاتُ في التشنيع على نظريتِه، حتَّى قيل فيها: إنَّها نظريةٌ تُعَبِّدُ الطريق إلى جهنَّم، وَوُضِعَ الكتاب في قائمةِ الكتبِ الممنوعة، وقُرِّر إحراقه، وأقرّت المجامع النَّصرانيَّة هذا القرار.

    ولما جاءت المدنيَّةُ الغربيَّةُ الحاضرةُ أصبح هذا الكتابُ أَسَاساً من أُسُسِها، حتَّى أسموه ((كتاب السياسة لكلِّ العصور)).

    أمَّا الإسلامُ فيرفضُ هذه النَّظريةَ جملةً وتفصيلاً، والمسلمُ مأمورٌ بالتمسكِ بالحقّ، ومعاملةِ غيره به حتَّى في أصعب الظروفِ وأحلكِها.

    قال أبو حامدٍ الغزالي –رحمه الله تعالى– عمَّن يتوصل إلى الخيرِ بوسائلَ ممنوعة: فهذا كلُّه جهل، والنيَّةُ لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلماً وعدواناً ومعصية، بل قصده الخير بالشرِّ -على خلاف مقتضى الشرعِ– شرٌّ آخر، فإنْ عَرَفَهُ فهو معاندٌ للشرع، وإنْ جَهِلَهُ فهو عاصٍ بجهله؛ إذْ طَلَبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم.

    [إحياء علوم الدين 4/368].

    وقال العزُّ بنُ عبدِ السَّلام –رحمه الله تعالى-: لا يُتقربُ إلى اللهِ تعالى إلاَّ بأنواعِ المصالحِ والخيور، ولا يُتقربُ إلى الله بشيءٍ من أنواعِ المفاسدِ والشرور.

    [قواعد الأحكام 1/112].

    وهذه النظريَّة لها أسباب؛ فمنها:

    1-ضعفُ الوازع الديني: الذي يحمل عليه ضعف مراقبةِ الله تعالى والخوفِ منه، وإلاَّ فإنَّ الذي يخافُ ربَّهُ لا تأذنُ له نفسُه أن يُخالف أمرَ اللهِ في أمر من الأمور فضلاً عن أن يُقَعِّدُ لنفسِه قاعدةً لارتكاب ما حرَّم الله عليه.

    2-ضعفُ العلمِ الشرعيّ: وعدمُ اتِّخاذِ العلماءِ الرَّبَّانيّين قدوةً يَقتدي بهم.

    3-غلبةُ حظوظ النَّفس: فتغلبُ كلَّ رادعٍ شرعيٍّ يمنعها عن ارتكاب المحرم، فيجعل أحدُهم حظ نفسه مقدَّماً على الشرع، فلا يقف شيءٌ من أوامر الشارع أمام رغبات نفسه، فيبرر لنفسِه تعاطي الوسيلةِ المحرمةِ بأنَّه يجلب بها مصلحةً راجحة، أو يدفع مفسدةً كبيرة.

    4-الانقيادُ وراءَ أئمةِ ضلال: يؤزونهم إلى الباطل أزّاً.

    5-الاستسلامُ للواقعِ الذي يعيشونه: وهذا من أسرار ما نراه من كثرةِ دندنتِهم على مسألةِ فقه الواقع، ومداومتِهم طَرْقَ هذا الموضوع، بل وإدمانهم عليه، مع أنَّه إذا وضع في إطارِه الصحيح كان حقّاً، ولكن الغلو فيه يؤدي إلى جعله صنماً يُعبد من دون الله تعالى، كما جعل بعضُهم المصالح صنماً يُقدَّمُ على النّصوص الشرعيَّة، فأحلَّ الحرامَ باسمِ المصلحة، وحرَّم الحلالَ باسمِ المصلحة.

    6-اتِّباع الهوى: والحرص على تحقيق الرغبات الشخصيَّة.       

 

سابعاً: ضوابط الوسائل الدَّعويَّة:

 

    الوسائل الدَّعويَّة حتّى تكون صالحة للاستعمال فإنّه لا بدّ من توافر الشروط التالية فيها، وإلاّ كانت ممنوعة؛ وهي:

    أولاً: أن لا تكون وسيلةً مُلْغَاةً شرعاً بورود نصٍّ شرعيٍّ خاصٍ يمنع منها.

    ثانياً: أن لا تكون وسيلة تخالف نصاً عامّاً، أو قاعدةً شرعيّة.

    ثالثاً: أن تكون الوسيلة داخلةً في حدودِ المباح.

    رابعاً: أن يكون المقصودُ من الوسيلةِ مشروعاً، فإن كان ممنوعاً فلا، لأنَّ النَّهي عن المقصد نهي عن جميعِ الوسائلِ الموصلةِ إليه.

    قال الشيخ السعدي –رحمه الله تعالى-: ] وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [ أي: القربَ منه، والْحَظوةَ لديه، والحبَّ له، وذلك بأداء الفرائضِ القلبيّة؛ كالحبِّ له وفيه، والخوفِ والرجاء، والإنابةِ والتوكل، والبدنيّةِ؛ كالزكاةِ والحجِّ، والْمُرَكَّبَةِ من ذلك؛ كالصلاةِ ونحوِها من أنواعِ القراءةِ والذكر، ومن أنواع الإحسانِ إلى الخلقِ بالمالِ والعلمِ والجاهِ والبدنِ، والنُّصحِ لعباد الله، فكلُّ هذه الأعمال تقرّب إلى الله، ولا يزال العبدُ يتقرّب بها إلى الله حتَّى يحبّه الله، فإذا أحبَّه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، وَيَسْتَجِيْبُ اللهُ له الدعاء.ا.هـ.

    وقال الشيخُ الموفقُ ابنُ قدامةَ –رحمه الله تعالى-: لا يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالى بمعاصيه، ولا يُطاعُ بارتكابِ مناهيه، ومن جعل وسيلتَه إلى الله معصيتَه كان حظُّه الطردُ والإبعاد، ومن اتخذ اللهوَ واللعبَ ديناً، كان كمن سعى في الأرضِ بالفساد، ومن طلب الوصولَ إلى الله عز وجل من غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنتِهِ، فهو آيسٌ من الوصول إلى المراد.

    [فتاوى في الغناء ص 39].

    خامساً: أن تكون الوسيلة مما يُوْصِلُ إلى المقصودِ المشروع، إمّا على سبيلِ القطع، وإمّا على سبيلِ الظنّ، وإمّا على سبيلِ الاحتمالِ المساوي، أمَّا إن كان الاحتمالُ ضعيفاً، أو منعدماً فلا تكون الوسيلةُ معتبرةً كما لو وجدنا من يعظ مجنوناً، فإنّا نعلمُ أنَّ استعمالَه لوسيلةِ الوعظِ ضربٌ من العبث.

    سادساً: أن لا يترتب على الأخذ بتلك الوسيلةِ مفسدةٌ أكبرُ من المصلحةِ المقصودةِ منها، لأنَّ دَرءَ المفاسدِ مُقَدَّمٌ على جلبِ المصالح.

    سابعاً: ألا يَعْلَق بالوسيلة وصفٌ ممنوعٌ شرعاً: كأن يكون فيها مشابهةٌ للكفّارِ، أو أهلِ الخنا والفجور.

    والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ترك الأخذَ بوسيلةِ الضربِ بالنَّاقوس، والنَّفخِ في البوق، وإيقادِ النَّارِ مع كونها وسائلَ فاعله للدَّعوةِ إلى الصلاة، لا لشيءٍ إلاَّ لكونها شعاراً لليهودِ والنّصارى والمجوس.

 

ثامناً: الخاتمة:

 

    1-أهميّة معرفة الوسائل الدعويّة.

    2-الوسائل الدعويّة؛ هي: الأمور التي يُتوصل بها إلى تبليغ الإسلام إلى المدعوين.

    3-أركان التوسل: متوسَّل، وتوسُّل، ومتوسَّل به، ومتوسَّل إليه.

    4-تعرف الوسيلة الدعوية بالنص والنظر والتجربة.

    5-الوسائل الدعوية نوعان: معنويَّة وحسيَّة.

    6-الوسائل الدعوية ثلاثة أقسام: معتبرةٌ شرعاً، وملغاةٌ شرعاً، ومُختلفٌ فيها، وطبقنا ضوابطها على التمثيل.

    7-نظرية الغاية تبرر الوسيلة نظرية باطلةٌ غربيَّة أخذ بها بعض العاملين في حقل الدعوة.

    8-وختمنا بذكر ضوابط الوسائل الدعوية الثمانية.

    وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الزيارات : 1198