المقالات

صفحات من سيرة الوالد السعيد

04/رجب/1437 الموافق 11 أبريل, 2016

صفحات من سيرة الوالد السعيد 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله على من لا نبي بعده ، أما بعد .
 
فهذه نبذه يسيره في سيرة عميد أسرة آل حمد ان الرسيس بالمملكة العربية السعودية
 
الشيخ عبدالعزيز بن سليمان بن عقيل السليمان الحمدان ، وذلك أنه وافاه أجله يوم الجمعة
 
الموافق 1 رجب 1437ه ، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة  بالحرم المكي الشريف ، 
 
ووري جثمانه بمقابر العدل بمكة المكرمة بوصية منه ، رحمه الله تعالى وغفر له وأكرم نزله
 
إنه قريب مجيب . 
 

* درس في كُتاب مطوع الخبراء الشيخ حمد المقبل "المطوع"، رحمه الله تعالى، كعادة أهل زمنه، فتعلّم على يديه القراءة والكتابة، وحفظ عنده جزء عم وتبارك، وثلاثة الأصول.

* توفي والده صغيراً وهو بعد لم يتجاوز السادسة، ولم يره إلا مرّة واحدة قبيل وفاته، وذلك أن والده ترك مزارعه بالخبراء، وتوجه للعمل في تجارة له في عنيزة ومات هناك، رحمه الله تعالى.

* عاش في كنف والدته سارة بنت عبدالعزيز وعمته عيناء بنت عقيل، متنقلاً بين الخبراء ورياضها في مزرعة "حليتيتة" التي كان يرتادها عبدالله المحمد الرسيس زوج عمته.

* علم بحاله أخوه الأكبر عقيل، رحمه الله تعالى، وكان عقيل يسكن مكة، ويعمل مع ابن عمه معالي الشيخ عبدالله بن سليمان، فاستدعاه إلى مكة عن طريق اثنين ممن كان يبعثهم جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، رحمه الله تعالى، إلى القصيم، في قصة، يطول ذكرها، مليئة بحزن فراق طفل في السابعة لأمه وعمته وأخيه لأمه صالح ومسقط رأسه الخبراء التي أحبها ولا يزال يذكرها، ومليئة بطرائف ما يقع لصغير قليل التجربة لم يعرف من الدنيا إلا محيطه الصغير، وكيف واجه مجتمعاً يختلف عن مجتمعه الذي جاء منه، حتى تأقلم معه.

* مكث في مكة المكرمة عند أخيه عقيل كواحد من أبنائه، عاش في كنفه وأحبه، وظل يذكره بخير إلى وفاته.

* لازم ابن عمه الوجيه الجواد عبدالله بن محمد الحمدان (أبو عليوي) رحمه الله، وعمل معه، سنين من شبابه، وكان من أكثر الناس إعجاباً به، وحباً له، وتأثراً بشخصه وكرمه وحرصه على جمع شمل عائلته، ولم يزل يذكر أحواله وجوده ولطفه وصلته لرحمه إلى وفاته.

* تعلم في مكة المكرمة، فكان أمر دراسته أسهل عليه من كثير غيره من الصغار الذين لم يدخلوا الكتاتيب، فحفظ ربع ياسين مع تجويده، وأتقن الخط، وكان خطه جميلاً مميزاً، ودرس التوحيد والفقه والحديث على يد الشيخ الهويش، ودرس الحساب، وغيرها من العلوم التي تدرس في ذلك الوقت، وكان في الصيف يكمل دراسته في الطائف، وكان من المشايخ الذين درّسوه الشيخ عبدالله بن عبدالغني خياط رحمه الله تعالى.

* ثم درس في المدرسة التحضيرية التي افتتحت لتدريس الطلاب قبل ابتعاثهم للدراسة.

* ابتعث إلى مصر، وكانت له ميول عسكرية، فطلب من معالي الشيخ ابن سليمان أن يلحقه بالمدرسة العسكرية ففعل، وكان أول من التحق بالعسكرية من أسرته، وأمضى ثلاث سنوات يدرس في مصر في عهد الاحتلال البريطاني متنقلاً بين الإسماعيلية وسيناء في أوضاع قاسية خطرة، مليئة بالقصص والعبر، تعرّف فيها على جنود دول أوربية وعربية وإفريقية، وتخرج في مصر، ثم عاد إلى المملكة.

* شارك مع العسكر الذين ذهبوا إلى حرب 48 في فلسطين، خاصة وأنه تعلّم في الجيش المصري ميكانيكا وقيادة المصفحات، ومن الأسماء التي كان يذكرها لنا كثيراً وأنه كان رفيقاً لهم القائد ابن نامي الذي كان يذكر من إقدامه وشجاعته، ويذكر كيف عادوا إلى الوطن، والحزن الذي أصابهم بعد إذ كانوا يؤملون النصر.

* عمل في مشروع الخرج الزراعي، ونظراً لما كان يتمتع به من قدرات لم تكن إذ ذاك متوافرة لكثير ممن حوله فقد كان تعلّمه بمكة ومصر سبباً في تأهيله، فتم تعيينه مسؤولاً عن إعداد مسيرات عمال مشروع الخرج، ومتابعتهم، ومروضي خيل المؤسس الملك عبدالعزيز، طيّب الله ثراه، وكان يذكرهم بأسمائهم، وأسماء الخيل، وطرق ترويضها وعسفها.

* عمل في إدارة شؤون الرياض التابعة لوزارة المالية، ثم نقلت خدمات منسوبيها إلى إدارة الخاصة الملكية في جدة.

* ثم طُلب إلى الحرس الوطني لإدارة مالية الجنود، وعمل هناك، وكانت له قصص تُعد غريبة في هذا الزمن مع المجاهدين، رحمهم الله تعالى أجمعين.

* بعد تشكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في عام 1380هـ طلبه معالي الوزير عبدالرحمن أبا الخيل للعمل في شؤون العمل والعمال، فانتقل إلى الوزارة، وتدرّج إلى أن أصبح مدير التفتيش فيها، فلما بلغ الستين من عمره طلب التقاعد، فطلبته الوزارة للتمديد، ومُدد له أكثر من مرة، حتى طلب التقاعد، وحصل عليه عام 1407 وهو في السابعة والستين من عمره.

* في مدة عمله في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية انتدب إلى القريات عدة أشهر فأسس فرع الوزارة هناك، وانتدب إلى أبها كذلك فأسس الفرع هناك، وانتدب مشرفاً على أعمال الشركات العاملة في مطار الملك عبدالعزيز بجدة.

* عرف بجدِّه في التعامل مع ما يوكل إليه من عمل، بل كان إذا رأى أن ساعات العمل لا تسعفه، في زمن لم تكن الحواسيب فيه موجودة، وغاية ما يمكن وجود طابع آلة في الإدارة تُحال إليه جميع معاملاتها، فكان الوالد، رحمه الله تعالى، يعتمد على قلمه الجميل، ويأتي لإنجاز ما ضاق الوقت عنه من أعماله في منزله.

* عرفناه منذ صغرنا شديد الغيرة على دينه، لا يرضى بغير ما يعرفه من دينه، وكان إذا سمع رأياً شاذاً ردد: "لا تغيروا علينا ديننا"، "هؤلاء يأتون بدين ما عرفه الأولون".

* كان كثير التلاوة للقرآن، وكان لا يفصح بذلك لأحد، حتى لأبنائه، وذكرت الوالدة، حفظها الله، لي أنها تعرف متى يختم إذا سمعته يقرأ السورة التي سمعتها منه قبل أيام، فكان يختم في خمسة أيام وأقل وقد يصل إلى سبعة أيام، أما في رمضان فهو أشد تعاهداً للقرآن الكريم.

* كان صاحب قيام ليل، لا أعلمه ترك قيام الليل في سفر ولا حضر، ولا صحة ولا مرض، وكان يمضي ساعات من ليله بين صلاة وقراءة وتضرع وبكاء، وقد أخبرتنا الوالدة، حفظها الله، أن هذا شأنه منذ تزوج لا يترك قيام الليل، حتى لما كُسرت مشط قدمه كان يصلي الليل قاعداً، ثم لا تطيب نفسه حتى يقف ليصلي واقفاً، ويجتهد في إخفاء ذلك، وإذا تحدث الناس عن قيام الليل سكت كأنه ليس من أهله، ولولا أننا من أهل بيته لما علمنا بذلك، وقد خفي علينا منه أشياء، ولا عجب في هذا، فقد كان أبوه سليمان، رحمه الله تعالى، يُذكر عنه أنه صاحب عبادة وتلاوة وقيام ليل وعفة لسان، وكانت والدته سارة، رحمها الله تعالى، التي عشنا معها فرأينا عجباً، وكأنها لا تعرف من الدنيا شيئاً إلا التلاوة والذكر والصيام والقيام، في شدّة على إخفاء ذلك، وكذا أخوه عقيل، رحمه الله تعالى، كان صالحاً تالياً قائماً صائماً عفيف لسان فيما ذكره لنا والدانا.

* كان، رحمه الله تعالى، شديد الغيرة على سمعة ولاة أمره ووطنه، حريصاً على طاعتهم، لا يرضي أن يمسهم أحد بكلمه، وكان إذا علم عن شخص أنه خالف هذا المنهج، أعرض عن ذكره، وابتعد عن مجلسه، وكان يخصهم بدعائه وحسن الثناء عليهم، والمقارنة في ذلك بينهم وبين غيرهم، ويحفظ تاريخ الثورات التي عاصرها، والأحداث السياسية منذ الحرب الكونيّة الثانيّة، وكان دائماً يردد: "أهل الثورات لم يأت أحد منهم بلاده إلا بالقتل والفقر والخوف"، وكان يذكر لنا أحوال بعض البلاد وما كانت فيه من رخاء ونعم وخيرات شاهدها، مع ما فيها من أمور لا يرضاها، ثم ما حل بهم لما كفروها بالثورة عليها، وكان يربي أبناءه على هذا.

* كان صاحب أنفة وعزة نفس شديدة، ولا نعرف أنه وقف على أحد يسأله حاجة من مال أو غيره.

* عرفناه جوداً كريماً لا يرتاح إذا كان في يده مال حتى ينفقه، وكان يظهر كرمه على أبنائه، ويشتري لهم من المطاعم والثياب ما لا يناله كثير من أبناء طبقتهم، ولا يكاد يمر به ذو حاجة إلا أعطاه، وكان مكتبه الذي افتتحه بعد تقاعده مقصداً لذوي الحاجات، وكان يعطي من يأتيه، وكان بعض المحتالين يأتيه مستغلاً ذلك، فإذا نبهه أحد، غضب، وقال: "اتركوا الناس، نحن لنا بالظاهر"، وقال: "الله لن يسألنا عنهم صادقين أو كاذبين؟"، وكان لا يسمع بجمعية خيرية تطلب تبرعاً لعمل أو وقف إلا تبرع لهم، ولما تقدمت به السن، كان يطلبني في مكتبه سرّاً، ويدخلني المختصر، ويسلمني ظرفاً ويقول: سلمه جمعية كذا، فقد رأيت إعلانهم. ومن فضل الله عليه، أن جوده وكرمه كان سبباً في إغلاق مكتبه، والمحال التجارية التي كانت تدر أرباحاً كبيرة عليه، فقد كان إذا احتاج أن يتصدق، ذهب وسحب حصيلتها وأنفقها، أما مرتبه التقاعدي فلم يكن يأخذ منه شيئاً، كان إذا استلمه قسّمه في ظروف يوزعها بين المحتاجين، ويسميهم: "أصحاب العادة"، ويرفض قطع عادتهم.

* كان يكرم الضيف، ولا ينظر إلى منصبه، بل كان قد يأتيه العامل الذي يستقدمه، أو يستقدمه بعض أبنائه، فيذبح له، ويضيفه في منزله، وكان يحتفي بهم كما يحتفي بضيفه الذي يعرف، ولا يأتيه ضيف من الخبراء إلا أكرمه غاية ما يكون الإكرام، ولا يخرج من عنده إلا ويضع في يده هديته، ظرفاً فيه خمسة أو عشرة آلاف بحسب المتيسر.

* من نافلة القول، أنه كان إذا سمع بربيع، أو صيد في نجد أو الشمال أو تهامة ذهب مع أصدقاء عمره الذين يحبهم حباً شديداً وتأثر لموتهم، ومنهم: حمد الرميح، وعبدالعزيز الخشان، وصالح الزامل، رحمهم الله تعالى، وبقي منهم الأديب محمد بن إبراهيم السيف، حفظه الله، ولما تقدمت به السن ترك ذلك.

* كان يحبّ الزرع، لذلك عاد إلى مسقط رأسه، وأعاد استصلاح مزارع أبيه في الخبراء، وكانت أمنيته أن تحيا كما كان يعرفها صغيراً، وحقق الله له أمنيته في جزء كبير منها، بعد أن بذل فيها أموالاً طائلة.

* كان يذكر آباءه وكل من له يد عنده بالخير ويدعو لهم، ويكتب ذلك في ورقة عنده، وكان يخص والديه وجديه وعماته وخالاته ووالدي زوجته بضحية لكل منهم كل عام غير ضحيته وضحية أهل بيته.

* كان حريصاً على صحته، قليل الأكل، له قاعدة فيها: "كلْ ما تميل إليه نفسك فهو مفيد لك، ولا تأكل ما لا تشتهيه فهو مضر لك، ولا تسرف"، كان حريصاً على وجبة الإفطار على ما تيسر، عزوفاً عن العشاء، وكان سحوره الأرز واللبن، ولا يأكل في مطعم، لا يحب الذهاب إلى الأطباء، وإذا اشتدت حاجته إليهم ذهب بعد إلحاح أبنائه، وقد نستعين ببعض الأطباء من الأقارب لإقناعه، فإذا صُرف له الدواء لم يقبله، واكتفى بالعسل والليمون.

* كان يحب أن يعمل في الزرع بيده في حديقة منزله وفي الاستراحة التي اتخذها في شمال جدة، يذهب إليها بعد العصر ويعمل فيها، يقود سيارته بنفسه، ويحب المشي والحركة إلى أن بلغ الثالثة والتسعين من عمره فلما كُسر، اضطر لترك كل ذلك، ولازم الفراش جراء إفراط الأطباء في كمية مخدر عملية كسر الحوض، وظل كذلك إلى أن وافاه أجله بعد فجر يوم الجمعة غرة رجب ذاكراً لله تعالى صابراً لا يشكو مرضه لأحد وقد أتم من عمره سبعاً وتسعين سنة قضاها في صلة رحم، وصفاء نية، وعبادة، وبذل وعطاء، وخدمة لبلاده وولاة أمره، ذهب طيباً يلهج الناس بذكره بالخير، وقد رأينا في أفواج الناس الذين هرعوا لتعزية أبنائه وأقاربه من مختلف الطبقات والجنسيات، من حسن الثناء عليه ما تبيّن لنا منهم جوانب من سيرته وبذله الذي لم نكن نعرفه، سائلين الله تعالى أن يكون ممن عناهم رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله).

 

    هذا جزء من سيرة الوالد السعيد، كتبها ابنه وخادمه المقصر وفاء لوالده، واستجابة لرغبة من سأله، والتماساً لبر الوالد بعد وفاته، وبياناً لحال ابنٍ لوطنٍ يزخر بالرجال الأفذاذ الذين نفخر بهم، ولعلمي أنه لا يحب المدح لم أجرؤ أن أخط بقلمي حرفاً عنه إلا بعد وفاته، فرحمه الله تعالى رحمة عباده المقبولين، وأسكنه فردوسه مع المصطفين الأخيار، وألحقنا بهم لحوق التابعين الأبرار.

    وصل اللهم وسلم على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله وآله وصحبه أجمعين.

 

كتبه

أحمد بن عبدالعزيز الحمدان

جدة

بعد فجر الأحد الثالث من شهر رجب عام1437هجرية.

.

  
 
 

عدد الزيارات : 881